مواطن الوقار ، ومعادن الآثار ، ورواة الأخبار وحفظة الأسرار ، إن رأوك في قبيح منعوك ، أو جميل أيدوك ، وإياك وأغمار الشباب فهم أهل الصبوة إلى الشهوات .
وأوصى يزيد بن المهلب ابنه فقال : ليكن جلساؤك ذوي الأسنان ، فالشباب شعبة من الجنون . ومر الحسن بفتيان فقال : شوبوا مجلسكم بشيخ وقيل : من عرف حق من فوقه عرف حقه من دونه .
تأمل حكيم شيبة في رأسه ، فقال : مرحبا بزهرة الحنكة وثمرة الهدى ومقدمة العفة ولباس التقوى .
وروي أن إبراهيم الخليل عليه السّلام لما بدا الشيب بعارضيه قال : يا رب ما هذا ؟
قال : هذا وقار في الدنيا ونور في الآخرة . قال : يا رب زدني وقارا فابيضت لحيته .
وعيّر حكيم بالشيب ، فقال : الشيب نور يورثه تعاقب الليالي والأيام ، وحلم يفيده مر الشهور والأعوام . ووقار تلبسه مدة العمر ومضي الدهر . وقال ابن المعتز :
عظم الكبير فإنه عرف اللّه قبلك ، وارحم الصغير فإنه أغر بالدنيا منك .
ما قيل في مدح الشيب من الشعر :
قرأت في سفينة البحار تأليف المرحوم ( الشيخ عباس القمي ) : عن إبراهيم بن محمد الحسني قال : بعث المأمون إلى أبي الحسن الرضا عليه السّلام جارية ، فلما أدخلت إليه اشمأزت من الشيب ، فلما رأى كراهتها ردها إلى المأمون وكتب إليه بهذه الأبيات :
نعى نفسي إلى نفسي المشيب * وعند الشيب يتعظ اللبيب
فقد ولى الشباب إلى مداه * فلست أرى مواضعه تؤوب
سأبكيه وأندبه طويلا * وأدعوه إلي عسى يجيب
وهيهات الذي قد فات منه * تمنيني به النفس الكذوب
أرى البيض الحسان يحدن عني * وفي هجرانهن لنا نصيب
فإن يكن الشباب مضى حبيبا * فإن الشيب أيضا لي حبيب
سأصحبه بتقوى اللّه حتى * يفرق بيننا الأجل القريب
وقال دعبل الخزاعي :
أهلا وسهلا بالمشيب فإنه * سمة العفيف وحلية المتحرج
ضيف ألمّ بمفرقي فقريته * رفض الغواية واقتصاد المنهج