فلا تكتب بكفك غير شيء * يسرك في القيامة أن تراه
ولا تأخذ من المعلوم إلا * حلالا طيبا عطرا نراه
ونصحك صاحب الدست اتخذه * شعارك فالسعادة ما تراه
ثلاث يا بني بها أوصي * فمن يأخذ بها تحمد سراه
وتقوى اللّه رأس المال فالزم * فما للعبد إلا من براه
ويحذر ( لا حين بن عبد اللّه الذهبي ) في نصائحه من الدنيا وزخارفها ومتعها وباطلها ، ويهون من شأنها ويحقر من أمرها ، وينبه الخاطر إلى أن أطيب مأكول فيها مجني من حشرة هي النحلة ، وأفخر ملبوس فيها مأخوذ من حشرة هي الدودة ، وأولى بالمرء أن يتبع الحق ويعيش لأجله ، ويتيقظ إلى أن أيام الدنيا محدودة ، وأنفاسه فيها معدودة ، ولا خلود فيها ، ومن بعدها الحساب . يقول :
ميلوا عن الدنيا ولذاتها * فإنها ليست بمحموده
اتبعوا الحق كما ينبغي * فإنما الأنفاس معدوده
وأطيب المأكول من نحلة * وأفخر الملبوس من دوده
وهذا الشاعر البارع زين الدين بن الوردي يحذر المرء في حكمه ونصائحه ويرسم له مسالك الحياة ويصور له أخلاق الناس وما ينبغي له عمله إزاءها . ويوصيه بأن يكون في غفلة عنهم ، لا في يقظة لأعمالهم ! وهذا اتجاه غريب ونصيحة تحتاج إلى نظر وتعليل : فلعله يريد ألا يشغل المرء نفسه بأعمال الناس ، وألا يتنبه لهم حتى لا يثير ذلك في نفسه حفيظة عليهم أو حقدا لهم ، أو يدفعه إلى تدبير أمر لهم ، أو يثير في نفسه أي شاغل يشغله بهم وبأعمالهم . وهو يرمي من وراء ذلك إلى أن يكون المرء في شبه عزلة عن الناس حتى يعيش في طمأنينة بال وبلهنية حال .
وهو ينصح ويوصي بحفظ الود واحتمال الإساءة من الصديق وغفرانها له ، والإسراع إلى فعل الجميل ، فذلك أدعى إلى رده عند المناسبة ، وهو يدعو إلى أن يغتنم المرء فرصة الحياة فيبادر إلى تقديم ما ينفعه في الآخرة ، فالدنيا مزرعة لها ، وليكن تقوى اللّه إماما له ، وليعلم أن الدنيا مليئة بالمساوىء ، ولا مجال إلى ملافاتها إلا بمداراة أهلها ومعاونتهم حتى يسلم من أذاهم ، إلى آخر ما ينصح به .
يقول :
واحذر بني الدنيا وكن في غفلة * عنهم وجانب كل كلب ضاري