واحفظ لصاحبك القديم مكانه * لا تترك الود القديم لطاري
وإذا أساء وفيك حمل فاحتمل * إن احتمالك أعظم الأنصار
سارع إلى فعل الجميل وقلد الأعناق * حسنى فالزمان عواري
واجعل إلى الأخرى بدارك بالتقى * تغنم فما الدنيا بدار بدار
واعمل لتلك الدار ما هي أهله * عمل المداري أهل هذي الدار
وتوخ فعل المكرمات تبرعا * فالمكرمات حميدة الآثار
لا تأسفن لما مضى واحرص على * إصلاح ما أبقيت باستكثار
فالمعسرون بنو كلاب عندهم * واليوم أهل الفضل أهل يسار
جاور إذا جاورت بحرا أو فتى * فالجار يشرف قدره بالجار
كن عالما في الناس أو متعلما * أو سامعا فالعلم ثوب فخار
من كل فن خذ ولا تجهل به * فالحر مطلع على الأسرار
ولم يترك في قصيدته تلك الفرصة السانحة للدعوة إلى مبدئه ومذهبه الذي اعتنقه أخيرا . وهو الخمول ! ! وينصح باتباعه ، لأن الخمول مع غنى النفس والقناعة ، سعادة كاملة وعز شامل ، إذ يعصم المرء من رجاء فلان واستعطاف فلان ، وفي سعي المرء إلى الشهرة خطر عليه فهو يعرضه للرجاء والإذلال .
وهو يطلب في الأبيات التالية ، أن يعجل المرء إلى التوبة والندم إذا ابتلي بزلة وتردى في خطيئة ، ويدعوه إلى ألا يظلم الناس حذرا من دعواتهم في الأسحار على الظالم ، وينبغي عليه أن يطيل الفكر في عواقب تصرفه حذرا من أن يقف مرة موقف الاعتذار ، فهو موقف الضعف على كل حال وليتجه بوجهه إلى اللّه سبحانه وتعالى ، فهو مصدر المعروف دون سواه ، وها هي ذي الدنيا قد خلت من الأخلاء الذين يرتجون في الشدة ويقصدون في المحنة ، ولم يجد بينهم من يتأبى عن الأوزار والخطايا .
ويردد ابن الوردي النصيحة الخالدة القديمة ، وهي الحذر من العدو مرة ومن الصديق مرارا ، لأن الصديق أدرى بالسر وأعرف بالثغرة ، وأكشف للعيب ، إلى آخر ما نصح به . وفي ذلك كله يقول :
ما العيش إلا في الخمول مع الغنى * وبالاشتهار نهاية الأخطار
واقنع فما كنز القناعة نافذا * وكفى بها عزا لغير مماري
واسأل إلهك عصمة وحماية * فالسيئات قواصف الأعمار
وإن ابتليت بزلة وخطيئة * فاندم وبادرها بالاستغفار