بابي ، فإني مختار أحد الرأيين ، فإن اخترت ما أنا فيه كنت وزيرا لا تعصى ، وإن اخترت فلوات الأرض وقفر البلاد كنت رفيقا لا تخالف ، قال : فقرع عليه بابه عند السحر ، فإذا هو قد وضع تاجه ، وخلع أطماره ، ولبس أمساحه ، وتهيأ للسياحة . فلزما - واللّه - الجبل حتى أتاهما الأجل . فهو حيث يقول عدي بن زيد أخو بني تميم :
أيها الشامت المعير بالدهر * أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من * الأيام بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلدن أم من * ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر * وان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك الروم * لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ * دجلة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلله كلسا * فللطير في ذراه وكور
لم يهبهم ريب المنون فباد * الملك عنهم فبابهم مهجور
وتذكر رب الخورنق إذ * أشرف يوما وللهدى تفكير
سره ماله وكثرة ما يملك * والبحر معرضا والسدير
فارعوى قلبه وقال وما غبطة * حي إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والأمة * وارتهم هناك القبور
ثم صاروا كأنهم ورق جف * فألوت به الصبا والدبور
قال : فبكى هشام حتى اخضلت لحيته ، وبلت عمامته ، وأمر بنزع أبنيته ، وانتقال قرابته وأهله وحاشيته من جلسائه ولزم قصره ، فأقبلت الموالي والحشم على خالد بن صفوان ، فقالوا له : ما أردت إلى أمير المؤمنين ؟ أفسدت عليه لذته ونغصت عليه مأدبته ، فقال : إليكم عني ، فإني عاهدت اللّه عزّ وجلّ أن لا أخلو بملك إلا ذكرته اللّه عزّ وجلّ .
معاتبة من لم يقبل النصح :
من لم يقبل نصح أصحابه وإن حزنوه ، عاد ضرره عليه ، كالمريض الذي يترك ما يصف له الطبيب ، ويعمد لما يشتهيه فيهلك .
قال اللّه تعالى حكاية عن صالح النبي عليه السّلام :
لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي