والتزود بالمعرفة والتخلق بمكارم الأخلاق . ورأى أن كمال الفتى بعلمه لا بمنصبه وأن العلم هو علم الشريعة الإسلامية السمحة ، وما يتصل بها من بحث وتحقيق وتحرير البراهين وقطع المغالب ، ورأى أن رتبة العلم هي أعلى الرتب ، وأنها أسمى من المال وغيره ، وأن العالم لا بأس عليه إذا أدبرت عنه الدنيا ومفاتنها ، فإنه قد أصاب من مشاربها صفوها . ويقول في هذا المعنى :
كمال الفتى بالعلم لا بالمناصب * ورتبة أهل العلم أسنى المراتب
هم ورثوا علم النبيين فاهتدى * بهم كل سار في الظلام وسارب
ولا فخر إلّا إرث شرعة أحمد * ولا فضل إلّا باكتساب المناقب
وبحث وتحقيق وإيضاح مشكل * وتحرير برهان وقطع مغالب
وأحكام آيات الكتاب وسنة * أتت عن رسول من لؤي بن غالب
إذا المرء أمسى للعلوم مخالفا * أضاء له منها جميع الغياهب
وينزاح عنه كل شك وشبهة * وتبدو له الأنوار من كل جانب
هي الرتبة العليا تسامي بأهلها * إلى مستقر فوق متن الكواكب
فدونكها إن كنت للرشد طالبا * تنل خير مرجو الدنا والعواقب
ولا تعدلن بالعلم مالا ورفعة * وسمر القنا أو مرهفات القواضب
وهب أدبرت دنياك عنك فلا تبل * فعنها لقد عوضت صفو المشارب
فما قدر ذي الدنيا وما قدر أهلها * وما اللهو بالأولاد أو بالكواعب
إذا قست ما بين العلوم وبينها * بعقل صحيح صادق الفكر صائب
فما لذة تبقى ولا عيش يقتنى * سوى العلم أعلى من جميع المكاسب
ولما ولي تاج الدين السبكي توقيع الدست بالشام لدى الأمير علاء الدين المارديني نائبها ، نصحه أبوه تقي الدين السبكي بعدة نصائح تتصل بهذه الصناعة في مقدمتها : ألا يكتب بكفه شيئا يخشى أن يراه ماثلا أمامه يوم القيامة فيحاسب عليه حسابا عسيرا ، وألا يتناول من الأموال إلا الحلال الطيب ، وأن ينأى بجانبه عن المال الحرام ، وأن يكون شعاره تقديم النصح الخالص لصاحب الدست ، وأن تكون التقوى رأس ماله في كل ما يأخذ وفي كل ما يدع .
قال تقي الدين السبكي :
أقول لنجلي البر المفدى * مقالا وثقت منه عراه
وليت كتابة أو دست ملك * رست أحكامه وسمت ذراه