تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
لخير قومه ، سالكا سبيل الجرأة والإقدام والثبات ، فلا يسأم من تكرار الدعوة وموالاة الإرشاد إلى ما يتوسم البلوغ بسببه إلى الغاية المبتغاة من التقدم ومناهج الترقي ، فقد قالوا : « إن مقاليد القلوب بأيدي الخطباء ، وأزمة النفوس بأيدي الكتاب » وقال الصاحب بن عباد : « إذا تكرر الكلام على السمع تقرر في القلب » . وناهيك بالخطابة والكتابة ، اللتين يعدان من أهم دعائم العمران التي قام عليها بناء المجتمع الإنساني ، فإنك لا تجد جماعة تألفت أو دولة قامت أو دينا انتشر أو شرعا تقرر ، إلا على إحدى هاتين الدعامتين وعليهما معا ، فهما الأداة المؤثرة في النفوس للاقتناع بالغرض الذي تحاول جذبها إليه بمؤثرات الترغيب والترهيب ، والزجر والحض والوعد والوعيد ونحو ذلك . وهكذا كان حال السلف من أئمتنا ومرشدينا ، ممن أوتوا سحر البيان وفصل الخطاب ، وبذلك جاء قوله تعالى :
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
« 1 » .

الجهر بإسداء النصح :

يتجلى ذلك فيما روي أن المنصور الدوانيقي كان يطوف ليلا بالبيت ، إذ سمع قائلا يقول : اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض ، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع . فترك المنصور الطواف وجلس ناحية من المسجد وأرسل إلى الرجل يدعوه ، فصلى الرجل ركعتين واستلم الركن ، ثم أقبل مع الرسول ، فسلم على المنصور بالخلافة ، فقال له المنصور : ما الذي سمعتك تقوله من ظهور البغي والفساد في الأرض ، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع ؟ فو اللّه ، لقد حشوت مسامعي ما أرمضني . قال : يا أمير المؤمنين ، إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها ، وإلا أجادل عن نفسي . قال له المنصور : أنت آمن على نفسك فقل . فقال إن الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين إصلاح ما ظهر من البغي والفساد ، أنت . قال : ويحك وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي ، والحلو والحامض عندي ؟ قال : وهل دخل أحدا من الطمع ما دخلك ؟ إن اللّه تعالى استرعاك على المسلمين وأموالهم فغفلت عن أمورهم واهتممت بجمع أموالهم ، وجعلت بينك وبينهم حجابا من الجص
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية 104 .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 294 | السيد حسن القبانچي