برأيه رأيا كما تزداد النار بالسليط ضوءا . وإذا كان الملك محصنا لسره بعيدا من أن يعرف ما في نفسه متخيرا للوزراء ، مهيبا في أنفس العامة ، كافيا بحسن البلاء ، لا يخافه البريء ولا يأمنه المريب ، مقدرا لما يفيد وينفق ، كان خليقا لبقاء ملكه . ولا يصلح لسرنا هذا ، إلا لسانان وأربع آذان . ثم خلا به » .
وفي تفسير ( مجمع البيان ) للطبرسي : أن بلقيس ( ملكة سبأ ) استشارت أشراف قومها لما وقفت على كتاب سليمان ، فقالت لهم بعد أن جمعتهم : أشيروا علي بالصواب ، ما كنت قاطعة أمرا إلّا بحضرتكم ومشورتكم . فقالوا : الأمر إليك فانظري ما ذا تأمرين ( أي ما الذي تأمريننا به لنمتثله ، فإن أمرت بالصلح صالحنا ، وإن أمرت بالقتال قاتلنا ) . قالت : إني مرسلة إليه بهدية أصانعه بذلك عن ملكي ، فناظرة بم يرجع المرسلون ، بقبول أم رد . وإنما فعلت ذلك لأنها عرفت عادة الملوك في حسن موقع الهدايا عندهم ، وكان غرضها ، أن يتبين لها بذلك أنه ملك أو نبي فإن قبل الهدية تبين أنه ملك وعندها ما يرضيه ، وإن ردها تبين أنه نبي .
فعمدت إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية ، فألبست الجواري الأقبية والمناطق ، وألبست الغلمان في سواعدهم أساور من ذهب ، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب ، وفي آذانهم أقراطا وشنوفا مرصعات بأنواع الجواهر ، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون ، على كل فرس لجام من ذهب مرصع بالجواهر ، وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة ، وتاجا مكللا بالدر والياقوت المرتفع . وعمدت إلى حقة فجعلت فيها درة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معوجة الثقب ، ودعت رجلا من أشراف قومها اسمه المنذر بن عمرو وضمت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل ، وكتبت إليه كتابا بنسخة الهدية قالت فيها : إن كنت نبيا فميز بين الوصفاء والوصائف ، وأخبر بما في الحقة قبل أن تفتحها ، وأثقب الدرة ثقبا مستويا وأدخل الخرزة خيطا من غير علاج إنس ولا جن . وقالت للرسول : انظر إليه إن دخلت عليه ، فإن نظر إليك نظرة غضب ، فاعلم أنه ملك فلا يهولنك أمره فأنا أعز منه ، وإن نظر إليك نظر لطف فاعلم أنه نبي مرسل . فانطلق الرسول بالهدايا ، وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان فأخبره الخبر ، فأمر سليمان الجن أن يضربوا لبنات الذهب ولبنات الفضة ففعلوا ، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى بضع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة ، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفه من الذهب والفضة ففعلوا ، ثم قال للجن : علي بأولادكم فاجتمع خلق
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 266
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٢٦٦