استشرت إنسانا صار عقله لك . وقال أعرابي : ما غبنت قط حتى يغبن قومي . قيل :
وكيف ذاك ؟ قال : لا أفعل شيئا حتى أشاورهم .
وفي آداب ابن المقفع : لا يقذفن في روعك أنك إذا استشرت الرجال ، ظهر منك للناس حاجتك إلى رأي غيرك فيقطعك ذلك عن المشاورة ، فإنك لا تريد الرأي للفخر ، ولكن للانتفاع به ولو أنك أردته للذكر ، لكان أحسن الذكر عند العقلاء أن يقال : إنه لا ينفرد برأيه دون ذوي الرأي من إخوانه .
وفي المجلد الخامس ( من نهاية الأرب في فنون الأدب ) قال بشار :
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن * برأي نصيح أو نصيحة حازم
ولا تحسب الشورى عليك غضاضة * فإن الخوافي رافدات القوادم
قال الأصمعي : قلت لبشار : إن الناس يعجبون من أبياتك في المشورة ، فقال : يا أبا سعيد ، إن المشاور بين صواب يفوز بثمرته ، وخطأ يشارك في مكروهه فقلت : أنت واللّه في قولك أشعر منك في شعرك .
وقال بزرجمهر : أفره ما يكون من الدواب لا غنى به عن السوط ، وأعقل ما يكون من النساء لا غنى بها عن الزواج ، وأدهى ما يكون من الرجال لا غنى به عن المشورة .
وفي كتاب أبرويز إلى ابنه شيرويه وهو في حبسه : « عليك بالمشاورة ، فإنك واجد في الرجال من ينضج لك الكي ، ويحسم عنك الداء ، ويخرج لك المستكن ، ولا يدع لك في عدوك فرصة إلا انتهزها ، ولا لعدوك فيك فرصة إلا حصنها ، ولا يمنعك شدة رأيك في ظنك ، ولا علو مكانك في نفسك من أن تجمع إلى رأيك رأي غيرك ، فإن أحمدت اجتنيت وإن ذممت نقيت ، فإن في ذلك خصالا : منها أنه إن وافق رأيك ازداد رأيك شدة عندك ، وإن خالف رأيك عرضته على نظرك ، فإن رأيته معتليا لما رأيت قبلت ، وإن رأيته متضعا عنه استغنيت ، ومنها أنه يجدد لك النصيحة من شاورت وإن أخطأ ، ويمحض لك مودته وإن قصّر » .
قرأت في كتاب ( عيون الأخبار ) لابن قتيبة : « إن ملكا استشار وزراء له ، فقال أحدهم : الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحزمة كما يزداد البحر بمواده من الأنهار ، وينال بالحزم والرأي ما لا يناله بالقوة والجنود ، وللأسرار منازل : منها ما يدخل الرهط فيه ، ومنها ما يستعان فيه بقوم ، ومنها ما يستغنى فيه بواحد . وفي تحصين السر ، الظفر بالحاجة والسلامة من الخلل . والمستشير وإن كان أفضل رأيا من المشير ، فإنه يزداد