تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
أجل ، فليس كل فرد صالحا لهذه المهمة ، وإنما الرأي الحصيف مختمر عند من خبروا الحياة وبلوها ، وعرفوا خيرها وميزوا شرها . وإذا استشارك شخص فسر على ضوء قول الإمام السجاد عليه السّلام : بأن تعلم أن قد أولاك ثقته واطمئنانه إلى حسن رأيك ، فاجهد أن تعطيه الرأي السديد ، والذي تستطيع أن تعمل به لو كنت مكانه . ويجب أن تبدي رأيك واضحا من غير غموض ، برفق ولين من غير عنف وغلظة ، فلست بمكره لمستشيرك على أن يعمل ما ترى ، وإنما الذي دفعه إلى استشارتك ظنه أنك تملك رأيا حسنا وتجربة في الحياة وخبرة ، أما إذا لم تجد عندك رأيا ، فليس بأقل من أن ترشده إلى شخص تثق به ويثق بك ذو الرأي من الناس ، فتكون قد قمت بحقه ، وأديت ما عليك من الواجب . ومن أروع ما جاء في حكم الإمام الحسن عليه السّلام في الشورى قوله : « الرجال ثلاثة : رجل رجل ، ورجل نصف رجل ، ورجل لا رجل ، فالرجل الذي هو رجل ، من كان ذا عقل واستشار ذوي العقول ، والذي هو نصف رجل ، من كان ذا عقل واستبد بعقله ، والذي هو لا رجل : من لم يكن ذا عقل ولم يستشر ذوي العقول » . فالمشورة إذن هي عنوان كمال الإنسان ، وكرامته ، وعصمته من التهافت وهي الوقاية الأولى للرجل الكبير من الخطأ باللسان والخطل في الجنان ، وكم تهافتت الملوك وتهاوت الأرؤس ، من سوء ما يستبدون بعقولهم ، أو من سوء ما يختارون من مستشاريهم . واللّه سبحانه ، وإن لم يكن رسوله مفتقرا بمشاورة من هو دونه من أصحابه ، ولا إلى حاجة منه إلى رأيهم ، ولكن ليعلم ما في المشاورة من بركة . وقيل : أمره بذلك تألفا لهم وتطييبا لنفوسهم . وقيل : ليستن بذلك المسلمون . فهو في غير حاجة إلى عقولهم ما دام رسولا يوحى إليه ما يسدد فكره ويغنيه عن فكر غيره ، وإنما يريد بذلك تعليمنا أن الإنسان ناقص ما استقل عن أخيه الإنسان ، فإذا شاركه في الرأي كان كاملا ، يعلمنا كيف نحيا ، وأن الحياة فينا إنما تقوم على التضامن والتكافل والتعاون في كل شيء من أشياء هذه الحياة . ومن المعلوم أن لكل نبي مستشارا ، ولكل ملك مستشار ، ولكل وزير كذلك مستشار يفضون إليهم بما يرون من تدبير الرعية وحماية الملك . وفي الأخبار : « أن لكل نبي أوصياء يتعاقبون على تعزيز شريعته » . والوصي