تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
إن الحياة تقضي على الناس بالمشاورة ، لأن الفرد الواحد ينظر إلى الدنيا بعينين ، والمستشير ينظر إليها بعيون كثيرة ، فإذا خفي عليه جانب من جوانبها وضح ذلك الجانب للمستشار ، على أن الإنسان لا يخلو أحيانا من ارتباك فكر واضطراب نفس ، وقلق خاطر ، وتفاجئه أحيانا حوادث وهو في هم يزعجه وألم يمضه ، وشغل يأخذ من انتباهه وشعوره . ومن المعروف عند الشعوب عامة ، أن الاستبداد في الرأي والتدبير باب للخطأ وعرضة للغلط ، ومظنة التقصير ، لأن العقول لا تحيط بكل شيء ، ولا تضمن النجاح في كل فكر ، ولذلك أخذت الشعوب بالشورى في الرأي بالسياسة وكان لها مجالس لمبادلة الآراء ومناقشة الاقتراحات . لهذا النقص الواضح في الاستبداد كان الإسلام يدعو إلى الشورى ، وكان أهل البيت ( عليهم السّلام ) يدعون إلى المشاورة ومبادلة الرأي . ولكن المشاورة لا ينبغي أن تكون مجازفة تطلع كل إنسان على سرك ، وتكشف مضمراتك لكل أحد ، كما أن المشاورة لا ينبغي أن تطلبها ممن ليس هو أهلا لها ، وليس له مواهب ولا ملكات ترشحه لأن يكون مستشارا مؤتمنا . قال الإمام الصادق عليه السّلام : « إن المشورة لا تكون إلا بحدودها وإلا كانت مضرتها على المستشير أكثر من منفعتها له فأولها : أن يكون الذي تشاوره عاقلا . والثانية : أن يكون حرا متدينا . والثالثة : صديقا مؤاخيا . والرابعة : أن تطلعه على سرك ، فيكون علمه به كعلمك بنفسك ثم يسر ذلك ويكتمه . فإنه إذا كان عاقلا انتفعت بمشورته ، وإن كان حرا متدينا أجهد نفسه في النصيحة لك ، وإذا كان صديقا مؤاخيا كتم سرك إذا أطلعته عليه ، وإذا أطلعته على سرك فكان علمه به كعلمك به تمت المشورة وكملت النصيحة . فإذا تكاملت هذه الأوصاف ، واجتمعت هذه الشروط فالاستشارة لا معدى عنها ولا معرة فيها لمن يحاول نجاح الأمور والظفر بالفوز .