قيل : يا رسول اللّه أي الناس أفضل ؟ قال : « كل مخموم القلب صدوق اللسان .
قيل : صدوق اللسان نعرفه ، فما مخموم القلب ؟ قال : هو التقي النقي ، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد » .
ومن ثم كانت الجماعة المسلمة حقا هي التي تقوم على عواطف الحب المشترك والود الشائع ، والتعاون المتبادل ، والمجاملة الدقيقة . لامكان فيها للفردية المتسلطة الكنود ، بل هي كما وصف القرآن :
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
« 1 » .
إن الخصومة إذا نمت وغارت جذورها ، وتفرعت أشواكها ، أشلت زهرات الإيمان الغض ، وأذوت ما يوحي به من حنان وسلام .
وعندئذ لا يكون في أداء العبادات المفروضة خير ولا تستفيد النفس منها عصمة .
وكثيرا ما تطيش الخصومة بألباب ذويها ، فتتدلى بهم إلى اقتراف الصغائر المسقطة للمروءة والكبائر الموجبة للعنة ، وعين السخط تنظر من زاوية داكنة ، فهي تعمى عن الفضائل ، وتضخم الرذائل . وقد يذهب بها الحقد إلى التخيل وافتراض الأكاذيب .
وذلك كله مما يسخطه الإسلام ويحاذر وقوعه ، ويرى منعه أفضل القربات .
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟
قالوا : بلى ! قال : « إصلاح ذات البين . فإن فساد ذات البين هو الحالقة ، لا أقول تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين » .
ربما عجز الشيطان أن يجعل من الرجل العاقل عابد صنم . ولكنه - هو الحريص على إغواء الإنسان وإيراده المهالك - لن يعجز عن المباعدة بينه وبين ربه ، حتى يجهل حقوقه أشد مما يجهلها الوثني المخرّف ، وهو يحتال لذلك بإيقاد نيران العداوة في القلوب . فإذا اشتعلت استمتع الشيطان برؤيتها وهي تحرق حاضر الناس ومستقبلهم ، وكلتهم علائقهم وفضائلهم .
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ، ولكنه لم ييأس من التحريش بينهم » . ذلك أن الشر إذا تمكن من الأفئدة فتنافر ودّها ، وانكسرت زجاجتها ارتد الناس إلى حال من القسوة والعناد ، يقطعون فيها ، ما أمر اللّه به أن يوصل ويفسدون في الأرض .
هامش
( 1 ) سورة الحشر ، الآية 10 .