في ثنايا هذه التوجيهات المتقدمة ، يتألف المنهج الرباني الكامل للحياة البشرية .
في هذه التوجيهات يجد الناظر منهجا للتربية ، قائما على الخبرة المطلقة بالنفس الإنسانية ، ومساوئها الظاهرة والخفية ، يأخذ هذه النفس من جميع أقطارها ، كما يتضمن رسم نماذج من نفوس البشر ، واضحة الخصائص جاهزة السمات ، حتى ليخيل للإنسان وهو يتصفح هذه الخصائص والسمات ، أنه يرى ذوات بعينها تدب على الأرض ، وتتحرك بين الناس ، ويكاد يضع يده عليها وهو يصيح : هذه هي بعينها التي عناها الإمام السجاد عليه السّلام .
في هذا الدرس تجد الملامح الواضحة لنموذجين من نماذج اعتدال البشر :
الأول : نموذج المدعي . الثاني : نموذج المدعى عليه ، وتجد حل الخصومة الواقعة بينهما واضحة ، والحق الذي يقيد كلا منهما سافرا ، لا غموض فيه ولا التباس .
ولنضع بين يديك مقدمة تمهيدية لهذا الدرس ترتبط بالمقصود ، فنقول :
ليس أروح للمرء ولا أطرد لهمومه ، ولا أقر لعينه من أن يعيش سليم القلب ، مبرّأ من وساوس الضغينة ، وثوران الأحقاد . إذا رأى نعمة تنساق إلى أحد رضي بها ، وأحسّ فضل اللّه فيها ، وفقر عباده إليها ، وذكر قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك ، فلك الحمد ولك الشكر » .
وإذا رأى أذى يلحق أحدا من خلق اللّه ، رثى له ورجا اللّه أن يفرج كربه ويغفر ذنبه .
وبذلك يحيا المسلم ناصع الصفحة ، راضيا عن اللّه وعن الحياة ، مستريح النفس من نزعات الحقد الأعمى ، فإن فساد القلب بالضغائن داء عياء . وما أسرع أن يتسرب الإيمان من القلب المغشوش ، كما يتسرب السائل من الإناء المثلوم ! ونظرة الإسلام إلى القلب خطيرة . فالقلب الأسود يفسد الأعمال الصالحة ويطمس بهجتها ويعكر صفوها .
أما القلب المشرق فإن اللّه يبارك في قليله ، وهو إليه بكل خير أسرع :
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 224
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٢٢٤