تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
فإن الداء أكثر ما تراه * يكون من الطعام أو الشراب ودع عنك الكثير فكم كثير * يعاف وكم قليل مستطاب فما اللجج الملاح بمرويات * وتلقى الري في النطف العذاب
ولما نزل عليه السّلام القيروان ، اجتمع مع جميل كاتب أنوشروان ، سأله عليه السّلام فقال : يا جميل ، كيف ينبغي أن يكون عليه الإنسان ؟ قال : يجب أن يكون قليل الصديق كثير العدو . قال عليه السّلام : أبدعت يا جميل ، فقد أجمع الناس على أن كثرة الأصدقاء أولى . فقال : ليس الأمر على ما ظنوا ، وذكر ما حاصله أنهم إذا كثروا كلفوا التبعة في حاجة ، ولا يمكن أن ينهض الإنسان بها كما يجب وينبغي ، وفي المثل - من كثرة الملاحين غرقت السفينة - . قال أمير المؤمنين عليه السّلام فما منفعة كثرة الأعداء . فقال : إن الأعداء إذا كثروا يكون الإنسان أبدا متحرزا متحفظا أن ينطق بما يؤخذ عليه أو تبدو منه زلة يؤخذ عليها ، فيكون أبدا على هذه الحالة سليما من الخطايا والزلل . فاستحسن ذلك أمير المؤمنين عليه السّلام . وفريق ثالث يرى الخير في الوحدة ، والانصراف عن الناس جملة ، فإن هذا أصون للدين ، وأحفظ للوقت ، وأضمن لراحة الإنسان وسلامته ، وأذهب للعناء الذي يجده الإنسان عادة من تكلف ما يترضى به كل واحد من إخوانه . وخير الآراء ثانيها ، وهو الأجدر بالتقدمة والأولى بالاتباع ، إذ لا إفراط فيه ولا تفريط ، ولكن على الإنسان أن يتعرف فيمن يختاره لمخالطته ما تقدم من الصفات ، وألا يثق به قبل ابتلائه ، لا سيما في هذا الزمان الذي كثر شره ، وقل خيره ، وأتقن الناس فيه التصنع ولباس الرياء ، حتى إنه ليعجز أعقل الناس وأكثرهم دهاء وحزما ، عن كشف ما انطوت عليه نفوسهم من خبث وسوء نية ، وإن في الحوادث التي يسوقها الدهر كل يوم عظات بالغة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

آثار المخالطة الصالحة :

للمخالطة الصالحة نتائج حسنة ، إذ يستحي الإنسان في الغالب من إظهار عيوبه أمام رفقائه والمتصلين به ، لا سيما من عرفوا منهم بالترفع عن الدنايا ، وفي هذا ما يبعده عن الشر ويدنيه من الخير ، كما يأمن على أخلاقه بمعاشرتهم . ومن آثارها أن يذكره خلطاؤه بالخير فيفعله ، والشر فيجتنبه وأنه يكتسب بمخالطتهم شرفا ، ويجد