أخلاقه وعاداته من حيث يدري ولا يدري ، ومن حيث يريد ولا يريد . وأثرها فينا لا يستطيع إنكاره منكر ، بل إنك لتجد أثرها في الجماد والحيوان وهما دون الإنسان قبولا للتأثر ، فالماء ، يطيب ريحه ، ويعذب في الفم مذاقه ، إذا جاور الأزهار ، ويخبث ريحه ويشتد عصفه إذا جاور الجيف ، والحصان الشرود إذا قرن بآخر ذلول صار ذلولا سهل القياد .
وقديما قيل :
والريح آخذة مما تمر به * نتنا من النتن أو طيبا من الطيب
وإن العوامل التي تتخذ في التربية لتجعل الشرير خيرا ، والفاسد صالحا : من وعد ووعيد ، وتحذير وترغيب ، وثواب وعقاب ، قد لا تأتي في الغالب على ما في نفس الإنسان ولا تنتقل به من حال إلى حال . أما المخالطة فإنها لا تحصل بدون أن يكون لها أثر ظاهر في حال الإنسان الخلقية والاعتقادية والفكرية ؛ وكل أنواع التربية تعرض وتزول : كالمدرسة والبيت إلا المخالطة فإنها تربية لا تنقضي إلا بالموت ، فإن حسنت أثمرت طيبا ، وإن ساءت كانت شرا وبلاء .
اختيار الخلطاء :
عني الباحثون وعلماء الأخلاق والدين والمثقفون في كل أمة وعصر ، بوصف الخلطاء ، وأرسلوا القول في ذلك شعرا ونثرا ، ما شاءت لهم البلاغة ووحي البيان ولم تفرط الشريعة الإسلامية في شيء من ذلك ، والأحاديث الواردة فيها أكثر من أن تعيها أذن واعية ، أو يلمّ بها قلب حافظ أو راوية .
من ذلك قول الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « مثل الجليس الصالح كمثل الداري ، إن لم يجدك من عطره يعلقك من ريحه ، ومثل الجليس السوء كمثل القير ، إن لم يحرقك بشرره يؤذك بدخانه » .
وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من أراد اللّه به خيرا رزقه خليلا صالحا ، إن نسي ذكّره ، وإن ذكر أعانه » .
من أجل ذلك أفرد الإمام السجاد ( سلام اللّه عليه ) فصلا خاصا للخليط ، مستعرضا حاله من إعطاء حقه من العناية والاهتمام والقيام بالواجب . فتراه قائلا : « أن لا تغره ولا تخدعه ، وتتقي اللّه في أمره ، ولا تكذبه ولا تعمل في انتقاصه ، وإن اطمأن