وأفضلهم ، قد باع سيفه ، وقال : لو كان عندي عشاء ما بعته .
إن عليا عليه السّلام لا يتنكر لمبدئه ، ولا يناقض بنفسه ، قاتل مع الرسول أهل الثراء على شركهم وثرائهم ، فكيف يفعل اليوم ما أنكره بالأمس كما فعل بعض الأصحاب .
إن أهل البيت ينظرون إلى المال على أنه وسيلة لا غاية ، وسبيل إلى سد حاجة لا تقضى بدونه ، فما أدى إلى الواجب فهو خير وصلاح ، وما زاد عنه فهو شر وفساد .
قال رجل للإمام الصادق عليه السّلام : إنا لنحب الدنيا . قال : تصنع بها ما ذا ؟ قال :
أتزوج منها ، وأحج ، وأنفق على عيالي ، وأنيل إخواني وأتصدق . قال : ليس هذا من الدنيا ، هذا من الآخرة .
إن طلب الدنيا سدا لحاجاتها المادية والروحية ، طلب لحياة البقاء والنعيم وطلبها ابتغاء علوّ أو فساد في الأرض ، طلب لحياة الفناء والجحيم .
فالمال ، إذن ، وسيلة لغيره لا غاية في نفسه ، يكون طيبا ، إذا حقق العدالة والمساواة ، ورفع حياة المجتمع إلى مستوى أعلى ، ويكون خبيثا ، إذا أدى إلى الظلم والطغيان ، وعاق الحياة عن التقدم والتطور .
أما الفقر فهو كالظلم والإعانة على الإثم ، خبيث بذاته لا يكون طيبا بحال من الأحوال ، لأنه مصدر المرض والجهل . قال الرسول الأعظم محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الفقر هو الموت الأكبر » وقال : « الفقر سواد الوجه في الدارين » . وقال الإمام علي عليه السّلام لولده محمد ابن الحنفية : « يا بني ، إني أخاف عليك الفقر ، فاستعذ باللّه منه ، فإن الفقر منقصة للدين ، مدهشة للعقل ، داعية للمقت » . وقال : « الغنى في الغربة وطن ، والفقر في الوطن غربة » كاد الفقر أن يكون كفرا ، فكيف يرضى به العادل الحكيم لمخلوق ! إن اللّه سبحانه يريد لعباده القوة والكرامة ، ولا يريد لهم الضعف والهوان ، وبإمكاننا أن نتصور التفاوت والتفاضل بين الناس في الرزق ، وما يزيد عن قدر الحاجة لسبب معقول عند اللّه والعدالة ، فيرزق هذا عشرة ، وذاك ألفا . أما التفاوت في أصل الرزق والعيش فيأخذ هذا بين مئات الملايين ، ويحرم الألوف من قوت يومهم ، فقضاء اللّه وعدله بريئان من هذا الظلم والإجحاف . وبعد هذا ، نستمع إلى بعض الأحاديث المنسوبة إلى الرسول الأعظم في فضل الفقر .
ففي كتاب ( إحياء العلوم ) للغزالي - باب الفقر - عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : « إذا أحب اللّه عبدا الحب البالغ لم يترك له أهلا وولدا » .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 197
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص١٩٧