قول أبي العتاهية :
ألم تر أن الفقر يرجى له الغنى * وأن الغنى يخشى عليه من الفقر
وكان يقال : المال ملول ، المال ميال ، المال غاد ورائح ، طبع المال كطبع الصبي لا يوقف على وقت رضاه ولا وقت سخطه ، المال لا ينفعك حتى يفارقك . وإلى هذا المعنى نظر القائل :
وصاحب صدق ليس ينفع قربه * ولا وده حتى تفارقه عمدا
يعني الدينار .
وما أحسن ما قيل :
وقد يهلك الإنسان حسن رياسة * كما يذبح الطاووس من أجل ريشه
وقال آخر :
رويدك إن المال يهلك ربه * إذا جم واستعلى وسد طريقه
ومن جاوز الماء الغزير بجمه * وسد طريق الماء فهو غريقه
الجمع بين المدح والذم :
وجه الجمع بين الظواهر المادحة والذامة : هو أن المال قد يكون وسيلة إلى مقصود صحيح هو السعادة الأخروية ، إذ الوسائل إليها في الدنيا ثلاث : وهي الفضائل النفسية ، والفضائل البدنية ، والفضائل الخارجية التي عمدتها المال . وقد يكون وسيلة إلى مقاصد فاسدة : وهي المقاصد الصادة عن السعادة الأخروية والحياة الأبدية ، والصادة عن سبيل العلم والعمل .
فهو إذن محمود ومذموم بالإضافة إلى المقصودين . فالظواهر الذامة محمولة على صورة كونه وسيلة إلى مقاصد فاسدة ، والمادحة على صورة كونه وسيلة إلى مقاصد صحيحة . ولما كانت الطبائع مائلة إلى اتباع الشهوات القاطعة لسبيل اللّه ، وكان المال مسهلا لها وآلة إليها ، عظيم الخطر في ما يزيد على قدر الكفاية استعاذ طوائف الأنبياء والأولياء من شره ، حتى قال نبينا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا » وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا » .