كانت المدارس هي التي تهيئ ، فالمجتمع بواسطة جمعياته يوصل إلى بعض الكمال المنشود ويزيل التعجب عند المقابلة بين حالة الفرد بالأمس وحالته اليوم ، فقد كان مصدر الشرور وعلتها حتى على الأرض التي يطؤها ، وكان الغد فإذا به نعم الرجل ، نسبة إلى إمكان تهذيبه وقابليته للتطور ، ففضائل الجمعيات أزالت عجزا بينا من صفوف أفراد أمة يشكلون خير فئة من مجموعها ، ولم تقف عند هذا الحد فحسب بل تناولت المخلوقات الأعجمية ، إذ إنها أوجدت لها جنودا مسالمين يعلّمون القساة الرفق بها ، وتحرت خفايا كثيرة كانت تنخر في جسم المجتمع ، فعملت على إزالتها قبل تهوره بما لديها من الوسائل السلمية التي تتذرع بها لإظهار الحقائق والقضاء على الأباطيل .
أما وقد بيّنا الضعف في عمل الفرد ، والظفر والقوة اللذين يرافقان الجماعة ، أفلا يحق لنا أن نعمل بدستور الإمام السجاد عليه السّلام ، ونعتبره قوة لرجالنا وجماعتنا ؟ إذا متى نبدأ أن نفاخر الغير بجديد أوجدناه وعمل مفيد أنجزناه ، قد نتفاءل إذا طبقناه ومشينا على ضوئه ، ولعل المستقبل يحقق آمالنا .
أفليس دعوة الإمام السجاد عليه السّلام - وفقا لتعاليم الإسلام - تكوين مجتمع تنتصر فيه قوى الخير ، وتنتظم أفراده تحت روح التعاون بالمال والعمل والنصيحة ، ويحاول من الناس أن يقضوا على قوى الشر وانتزاعها من نفوسهم ، وتطهير القلوب من قذارتها ، وسلامة النفوس من أمراضها ؟
إن الإسلام يأمر بحسن المعاملة ، وجعل هناك مقياسا شاملا ألا وهو : « عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به » . وهذا مقياس لا يترفع عنه الخاصة ، بل يتقبلونه ويعجبون به ، وتفهمه العامة حق الفهم ، فالفيلسوف في مكتبته ، وراعي الضأن في قطيعه يفهمه حق الفهم ، فهو يحب أن يصدق الناس معه ، ويحب أن يحفظ الناس أمانته ، ويحتقر من يحتال عليه ، أو يسرق شيئا من قطيعه ، ويحب أن ينصره الناس إذا عدا عليه ذئب ، أو تعرض له سارق ، ويحب أن يعرف الناس له قدره ، ويرعوا عهوده ، فلذلك ينبغي أن يلزم نفسه بما يحب أن يعامله الناس به .
وهنا يأتي الإمام زين العابدين عليه السّلام يستعرض الشريك من إعطائه حقه ، ويستعرض الصفات التي يجب أن يتحلى بها ، من أداء الأمانة وترك الخيانة ، وحفظ شريكه في حال حضوره وحال غيبته ، وأن يحب له ما يحب لنفسه .
ولنصغ الآن إلى ما يقوله عليه السّلام في هذا الدرس : « وتحفظ عليه ماله ولا تخونه
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 168
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص١٦٨