كثيرا ما يفشل الفرد وتتلاشى رغائبه ، عندما ينفرد بعمل لا يمكن تحقيقه إلا للجماعات ، وقليلا ما تفشل الجماعات إلا عندما ترافقها أسباب من شأنها ارتجاج الكيان العام الذي تتأثر منه كافة العوامل التي كانت في الأصل رابطة الأفراد متفرقين صيرتهم بحكم التقارب جماعة يعملون لوحدة الغاية - فالفرد وإن توفرت لديه كل الوسائل التي قد يمكن أن لا تتوفر بعضها للجماعة ، نراه وقد أسقط في يده عند إقدامه على تنفيذ فكرة أو عمل مهما كان نوعهما أن يقصد النفع أو الضرر بحسن النية أو بسيئها ، لأن العمل اللاتعاوني سريع التلاشي ، كما أنه لا يحدث فراغا يفتقر لمثله ، وقد أثبتت الاختبارات صحة هبوط عمل الفرد ، عاجلا إذا عجز عن إتمام كافة نواحيه أو آجلا إذ يموت بموته ، وبكلا الحالتين فهو بعيد عن الخلود ، وإذا استثنينا بضعة أفراد قاموا بالأعمال الخطيرة التي تتشابه مع أعمال الجماعة ، فليس هذا بمقياس يعتمد على صحته ، فالفرد الذي يوفق لتحقيق عمل كبير كان للزعامة والهمة والمادة شأنها للوصول إلى النتيجة بيد أن هذه الاعتبارات وكثيرا غيرها لا يمكن أن تتخذ أساسا لنجاح الفرد ولو توفرت لديه ما لم يستخدم معارفه ويتجلبب بالأناة ويجعل وقته وقفا على العمل الذي يعود عليه وحده بتحقيق الأمنيات لأجل محدود ، إذ بعد هذا يندثر باندثار هذا الفرد ، وما أشبه الدور الذي يلعبه بمرور جمل في صحراء .
وإذا نظرنا إلى عمل الفرد من ناحية العلم ، نراه يختلف كثيرا عن مثله في العمل الذي بيّنا فشله ، إذ قد يمكن الفرد المتعلم أن يتحف المجتمع بأبحاثه العلمية التي إذا حققتها الجماعة بالعمل جاءت بالنتيجة المتوخاة ، فالفلاسفة الذين قلبوا بنظرياتهم وجه العالم هم أفراد ، كما أن الفضل بانتشارها يرجع إلى الجماعات التي اقتنعت بصوابيتها وأخذت في نشرها وتبيان صحة نفعها يوم وضعتها موضع التنفيذ .
فيتضح مما تقدم ، أن كل مشروع يقوم به الفرد فاشل إذا استأثر به وحده ، دون أن يكون للجماعة اشتراك في تحقيقه الأمر الذي أهاب بالكثيرين في أرجاء العالم إلى إنشاء الشركات والجمعيات وما إليها ، رغبة في إحياء نواح عامة في جسم المجتمع
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 166
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص١٦٦