الإنساني ، ولإيجاد كيان من مجموع أفراد يعملون تحت اسم واحد ولغاية واحدة لتبادل المنفعة بينهم ، ناهيك عن التآلف والتكاتف وما إليها من الأسباب التي تساعد الأقوام على إحياء المبادئ الشريفة التي تثبت فيهم رغبة العمل وتولد في نفوسهم طموحا نحو الحياة المستقلة الحرة .
ولو أسهبنا بوصف الفوائد التي جنتها الإنسانية من عمل الجماعات لضاقت بها المجلدات ، ولكننا نستعرض ما نراه بأم العين من نتائج العمل المشترك ، لعلنا نعي لأمر جهلناه أو عرفناه فتجاهلناه .
فالشركات على اختلاف أنواعها من رأسمالية ودينية وغيرها ، كانت ولم تزل السبب الأوحد في تعريف أمة لغيرها من حيث الرسوخ في المبدأ ، والثبات في ميدان التزاحم الاقتصادي وبث الدعايات المختلفة لترويج ما تصبو لتحقيقه ، ومن جهة أخرى فهي القوة الوحيدة لتحقيق المشاريع العامة ، إذ هي التي تشق بطن الأرض وتستخرج خيراتها المدفونة ، وهي التي يمكنها تسخير عناصر الطبيعة لنيل مبتغاها فتستفيد وتفيد ، وإذا نظرنا المدنية الحديثة وتطورها ، وانتشار العلوم بين الشعوب وتسهيل مختلف سبل الحياة أمام الناس ، تتحقق قوة عمل الجماعات وتتراءى لنا عظمة الاتحاد وحسن نتائج العمل المشترك التعاوني ، إذا فالشركات قوة أوجدها اتحاد الأفراد وأبقاها حسن التفاهم ، فهي تحيا طويلا لأن الجماعة لن تموت طالما شريعة التواتر ترافق الأحياء .
وما يقال عن الشركات ، يقال عن الجمعيات على اختلاف غاياتها ومراميها ، فكم لها من الفضائل على الإنسانية ، وكم سدت من ثلمات كان المجتمع يتألم منها ، وكم للخيرية منها حسنات أدتها للمعوزين وللذين أخنى عليهم الدهر ، فأبقت بذلك على حياة الكثيرين من الأفراد العاجزين القابعين في الزوايا المظلمة ، فضلا عن المآوي والمستشفيات التي تضم بين جدرانها من الكهول وذوي العاهات العدد الكبير ، وإذا استرسلنا في تعداد مناقب هذا العمل الخيري الصادر عن الجماعة ضاقت الصفحات عن استيعابه ، لكننا نستعرض باختصار ما نراه من أعمال الجمعيات الأخرى كالأدبية والأخلاقية ، فالمشاهد المدقق يمكنه أن يعطي عن كثب حكما عادلا إذ إنها أحدثت في الأوساط التي نشأت فيها نوعا جديدا من الحضارة والتهذيب وجرفت بأساليبها كثيرا من المهيمنات المستأثرة بقلوب الأفراد من جراء فطرتهم الحيوانية ، فاستبدلت الشراسة باللين وصقلت الغرائز الشاذة بمتنوع طرق التعاليم التهذيبية فقومت بذلك اعوجاج فطرة الفرد الهمجية وأوجدت منه إنسانا يحسن التدبير نحو نفسه ومقربيه وبني جلدته ، وإذا
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 167
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص١٦٧