والمسلم الذي تربى التربية الإسلامية الصحيحة لا يمكن أن يقدم على مثل هذه الشهادة ، لأن فيها ضياعا لحقوق الناس ، وفيها تشجيع لاغتصاب حقوق الآخرين وتشجيع للجريمة والكذب والعقوق . وبذلك تفقد العدالة مكانتها ويصبح الباطل حقا والحق باطلا . ولذلك كان البعد عن شهادة الزور ذا أهمية كبرى في التربية الإسلامية وعنصرا له مكانته في الحياة الاجتماعية السليمة .
ومن ناحية ثانية ربما تكون شهادة الزور بحضور مجلس أو مجالس يقع فيه الزور بجميع ألوانه ، فالذي تربى التربية الإسلامية يترفع عن حضور مثل هذه المجالس إذا لم يحاربها ويعمل على زوالها ليصون نفسه ومجتمعه منها .
وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً .
المسلم المهذب لا يشغل نفسه بسماع الباطل والكلام الفارغ والثرثرة الجوفاء ، ويتنزه عن المشاركة بمثل هذه الأوضاع ، لأنه في شغل شاغل عن ذلك فهو في جد وعمل يتطلع إلى حياة كريمة وسمعة طيبة . ولا يخفى ما في عنصر اللغو من أضرار تلحق الجماعة لما يحدث من تجريح للأشخاص والدس لهم وترويج الشائعات الكاذبة حولهم ، كما أن اللغو مضيعة للوقت بدون فائدة . ويختم اللّه عز وجل صفات عباد الرحمن بقوله :
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً
( 1 ) .
فهؤلاء المؤمنون يغمرهم اهتمام كبير بشأن مستقبل أمتهم ، فهم يتمنون من اللّه أن يهبهم من زوجاتهم وذرياتهم جيلا مؤمنا صحيح الإيمان ، سليم العقيدة ، يدعو للفخر والبهجة .
وفي هذه الآية قاعدة كبرى من قواعد التربية :
وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً
فأهمّ ناحية في التربية هي وجود القدوة الحسنة . فالطفل لا يتأثر بالوعظ والكلام ومعرفة النظريات ، فالكلام - كما يقولون - يدخل من أذن ويخرج من أخرى وخاصة بالنسبة للطفل ، فإن عقليته البسيطة لا تدرك المجردات والنظريات ولا تعيها ، لأن نموه الفكري لا يزال في بدايته ، ولا بد له لكي يفهم هذه النظريات من أن تتجسد في شخصية محسوسة ، فيقتدي بها ويعمل على أثرها ، إنه يدرك الخير عندما يرى من يفعله ويعرف السلوك الحسن عندما يرى أباه يفعله وكما يقولون : ( الولد سر أبيه ) فالقدوة خير من الكلام مهما حسن وطال ونمق وزخرف . . . يقول علي أمير المؤمنين عليه السّلام : « أيها العلماء ربّوا الناس بأفعالكم قبل أن تربوهم بأقوالكم » فالقدوة الحسنة أهم قاعدة في