يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
« 1 » فهنا يضع قانونا اقتصاديا يحدد به التصرف بالإنفاق ، وتظهر هنا ظاهرة الاعتدال والتوازن التي اتصف بها الإسلام في جميع تشريعاته ، فيبين أن عباد الرحمن يتصفون بالاعتدال ، فهم إذا أنفقوا ، إنما ينفقون على قدر حاجاتهم فلا يبذرون فيبددون مالهم بغير فائدة ترجى ، فيضر صاحب المال نفسه وجماعته ويحرم غيره ممن هو في حاجة إلى فضل ماله الذي يبدده على غير هدى . كما أن عباد الرحمن لا يقتّرون على أنفسهم دون سرف أو تقتير .
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً ( 68 ) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً
« 2 » .
وهنا نجد أن التربية الإسلامية تعمل على إيجاد الانسجام والالتئام بين أفراد المجتمع ، فلا يعتدي فرد على آخر بدون حق ، فيقضي على حياته فتشيع بذلك الفوضى والفزع والاضطراب بين الأفراد ويفرق بينهم ، ولذلك أنذر اللّه عز وجل من يفعل ذلك بعاقبة سيئة فينال العذاب المقيم والمهانة الدائمة ومثل الاعتداء على الحياة ، الاعتداء على الأعراض ، إذ إن ذلك يشيع الفاحشة بين أفراد المجتمع ويذهب الثقة من نفوسهم وتضطرب حياة الأسرة ويسيطر عليها الانحلال ، فيفقد بذلك المجتمع أهمّ مقوماته .
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 70 ) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً
( 71 ) « 3 » .
ومهما يكن المجتمع سليما لا يمكن أن يصل لمرحلة المثالية ولا بد من وجود بعض الأفراد الذين يرتكبون في فترة من فترات حياتهم بعض الآثام والجرائم . إلا أن هؤلاء لا يقطع عليهم المجتمع الإسلامي سبيل العودة إلى الرشد والصواب وإلى صف المجتمع السليم ، ولا يدع مثل هؤلاء الأفراد صرعى اليأس فيعيثون في المجتمع فسادا ، فالتربية الإسلامية لا تزال تلتمس فيهم عنصر الخير والطبع السليم فتدع لهم المجال واسعا ، للأوبة والتكفير عما جنت أيديهم ، وبإمكانهم أن يكونوا من المهتدين .
ويعد اللّه عز وجل مثل هؤلاء الذين استيقظ ضميرهم وأرادوا العودة والمآب ،
هامش
( 1 ) سورة الفرقان ، الآية 63 .
( 2 ) سورة الفرقان ، الآيتان 68 - 69 .
( 3 ) سورة الفرقان ، الآيتان 70 - 71 .