تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
بأن سيئاتهم ستبدل حسنات ، فيشعروا بالطمأنينة والاعتزاز وينسوا ماضيهم الأسود بعد أن أنابوا إلى اللّه فأكرمهم وتقبل توبتهم ، وبذلك ينعدم الأثر اللاشعوري للجريمة ، فلا تتكون العقد النفسية المختلفة ، وإنما تصبح هذه النفوس صافية سليمة مندفعة نحو الخير ، وبقبول التوبة يزول ما يسمى الشعور بالخطيئة التي تقضّ مضجع المجتمع الغربي لاعتقاد أفراده أن الإنسان مفطور على الشر وهو مسؤول عن خطيئة آدم ، ولذلك نجد المجتمع الغربي قد انقسم إلى فئتين : فئة أظهرت اللامبالاة وانغمست في الرذيلة وعكفت على شهواتها ونسيت إنسانيتها وانحدرت إلى مراتب الحيوانية ، وهناك فئة أخرى انقطعت للعبادة والتنسك وقاومت ما في طبيعتها من ميول فطر الإنسان عليها ، لكي تكفر عن الخطيئة التي ولدت وهي تحملها ، فنشأ عن ذلك صراع بين المادة والروح وانقسام في الشخصية وانحلال في الأسرة . أما الإسلام فيعتبر أن الأصل طهارة النفس إذا أحسنت التربية ، وليس على الإنسان وزر خطيئة غيره
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
« 1 »
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ *
« 2 » فكل امرئ مسؤول عما يفعل هو دون سواه . وإذا كانت بعض النفوس تميل في بعض فتراتها إلى المعصية ، فإن باب التوبة مفتوح على مصراعيه . ويضع قاعدة التوبة وشرطها :
وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً
« 3 » . . . فالتوبة تبدأ بالندم والإقلاع عن المعصية ، وتنتهي بالعمل الصالح الذي يثبت أن التوبة صحيحة وأنها جدية ، وهو في الوقت ذاته ينشئ التعويض الإيجابي في النفس للإقلاع عن المعصية . فالمعصية عمل وحركة يجب ملء فراغه بعمل مضاد وحركة ، وإلا حنت النفس إلى الخطيئة بتأثير الفراغ الذي تحسه بعد الإقلاع . هذه لمحة في نهج التربية القرآني عجيبة ، تقوم على خبرة بالنفس الإنسانية عميقة ، ومن أخبر من الخالق بما خلق ؟ . ثم يذكر القرآن الكريم قاعدة تربوية أخرى :
وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
« 4 » وشهادة الزور إما أن تكون بالشهادة المباشرة على الغير ،
هامش
( 1 ) سورة المدثر ، الآية 38 . ( 2 ) سورة الأنعام ، الآية 164 ، وفي سورة الإسراء ، الآية 15 . وفي سورة فاطر ، الآية 18 . وفي سورة الزمر ، الآية 7 . ( 3 ) سورة الفرقان ، الآية 72 . ( 4 ) سورة الفرقان ، الآية 74 .