تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
« ها هي ذي سمة من سمات عباد الرحمن : إنهم يمشون على الأرض مشية سهلة هينة ، ليس فيها تكلف ولا تصنع ، وليس فيها خيلاء ولا تبجح ولا تصعير خد ولا تخلع أو ترهل . فالمشية ككل حركة تعبير عن الشخصية وعما يستكنه فيها من مشاعر . والنفس السوية المطمئنة الجادة القاصدة ، تخلع صفاتها على مشية صاحبها ، فيمشي مشية سوية مطمئنة جادة قاصدة . فيها وقار وسكينة وفيها جد وقوة . وليس معنى :
يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً
أنهم يمشون متماوتين منكسي الرؤوس ، متداعي الأركان ، متهاوي البنيان ، كما يفهم بعض الناس ممن يريدون إظهار التقوى والصلاح ، وهذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان إذا مشى تكفأ تكفّؤا وكان أسرع الناس مشية ، وأحسنها وأسكنها . قال أبو هريرة : « ما رأيت شيئا أحسن من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، كأن الشمس تجري في وجهه ، وما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، كأنما الأرض تطوى له ، وإنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث » . وقال علي أمير المؤمنين عليه السّلام : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذا مشى تكفأ تكفؤا كأنما ينحط من صبب » . ونعود مرة ثانية إلى وصية لقمان يعلم ابنه آداب السلوك ومعاشرة الناس والتحدث إليهم ، فيقول له :
وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
( 19 ) « 1 » . إن من صفات الشخصية المنسجمة المتزنة أن تحسن أدب الحديث مع الناس ، فتعبّر عن رأي صائب وفكر واضح نيّر ، والصوت المعتدل يعبّر عن صفاء الذهن وانبساط الشخصية وانطلاقها ، ويعبّر عن الرزانة ورباطة الجأش والجرأة والانسجام الاجتماعي . بينما نرى أن الشخصية المفككة يصعب على صاحبها التفكير السليم ، فتخرج نبراته مفككة على مثال شخصيته ، ونرى ضعيف التفكير وفاقد التهذيب الذي لا يملك الوسائل المعقولة التي توصله إلى هدفه عن طريق الكلام المقنع واللسان الهادىء ، نرى مثل هذا يحاول أن يسيطر على محدثه بصوته الأجش الغليظ النابي ، ليعوض بذلك عن قصوره وسوء تعبيره ، ولكنه في الواقع قد أظهر ضعفه وانحلال خلقه وقصر باعه . فأصبح كالحمار يملأ الأرض إزعاجا بنهيقه ، فينفر من حوله ويضيق به ذرعا . فالصوت ظاهرة مهمة تعبر عن شخصية صاحبها وقد قيل : « إن من البيان لسحرا » والسحر ينفذ إلى الأعماق ويحرك القلوب ويثير الشعور ويدفع إلى التعاطف مع محدثه .
هامش
( 1 ) سورة لقمان ، الآية 19 .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 460 | السيد حسن القبانچي