تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
ومن أخلاق هذا العصر السباحة المختلطة ، فلقد شوهد أن المرأة بين الرجال مجردة من كل ما يستر جسدها ما عدا عضوا واحدا لو كان جميلا لما سترته ، بينما نجدها في المحافل والمجالس تحرص على أن لا يظهر من جسدها ما فوق الساق ، ولكنها إذ تريد السباحة ، يحق لها عرفا أن ترتدي ( المايوه ) وهو لباس العوم القاصر على ذلك العضو ، ثم ترتدي ( الروب ) معطف التبذل فوقه وتقطع الشوارع هكذا إلى المسبح ، بينما العرف يقضي عليها أن لا تطل على الشارع من شرفة منزلها وهي في هذا المعطف . فالأخلاق وليدة اصطلاح الأمة وتواطؤها فيما تقول وتفعل ما عدا السئ منها فإنه من وضع النفس الأمارة بالسوء لا من وضع المجتمع . إذن فالأخلاق منها ما تضعه الخاصة من الأمة كما يضعون الدساتير والشرائع لحماية الإنسانية والأخلاق ، علم بذاته لا يقل تقويما في كيان المجتمع عن القوانين لأنه تراث إنساني ، وأما النظم والدساتير فهي تراث سياسي والأخلاق أعرق في بناء الأمة من القوانين والنظم ، ولهذا قد نجد الأنظمة خالدة معمرة تحتاج الأمة في تطبيقها إلى قوة وإكراه ، بخلاف العادات والأخلاق التي هي أبدا عرضة للتطور والتحويل والتي تسري في الأمة دونما إكراه على التطبيق . فالإمام يحث على تحرير الأجيال في عاداتها ، بعد أن يطمئن إلى أن الدين كفيل بردع الأمة عن سوء ما تتخلق به من طبائع قد تفضي بها إلى الانهيار ، كم ذا رأينا ونرى في الشعوب المفسخة كفرنسا وإيطاليا وغيرها من الأمم التي سارت بأخلاقها أو سارت بها أخلاقها إلى الانحلال . والنبي إذا قال : « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » يشير بذلك إلى أن حياة الإنسان السامية تتقوم بسمو الأخلاق . فالأخلاق ليس لها زمان ومكان ، وإنما هي نفس الزمان ونفس المكان الذي يتسع للعالم ، فإما أن يكون هذا الزمان أو المكان صالحا فيبقي على أهله بين يدي تطورهم القائم على الخلود في عالم الحق . إن عبقرية الإمام تتقوم بكلمات تأتي في الصميم البالغ ، منها هذا القول الذي تصدّر البحث ، فليس من العبقرية في البلاغة هذا القول وإنما هو من البلاغة في العبقرية بحيث يتصدر الإعجاز ، فهو يقرر بهذه الجملة عنصرين هامين في بناء الدستور