تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
قوله لدى نزول الآية الكريمة
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ
« 1 » فقال : « ألا إن القوة الرمي » ثم كررها ثلاث مرات ، وقال بعد ذلك : « حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة ، والسباحة والرماية » . فقد عنى بالكتابة العلم ، وبالسباحة الرياضة ، وبالرماية الدفاع عن الكيان وإنما كنى عن العلم بالكتابة لأنها وسيلة العلم الأولى ، قال اللّه تعالى :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
( 5 ) « 2 » وإكبارا لشأن الكتابة وأنها سبيل الإنسان إلى العلم ، أن اللّه أقسم بالقلم في قوله عز من قائل :
ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ
( 1 ) « 3 » . وإنما كنى عن الرياضة بالسباحة ، لأن الحركة في الماء هي أبلغ أنواع الرياضة تنشيطا للجوارح ، فالماء يصون مسام الجسم عن جراثيم الهواء التي تنفذ إليه من وراء الحرارة بالجهد حيث تتفتح تلك المسام ، ثم الماء يطهر ما تفرزه تلك المسام من العرق المتبخر عن فضلات الشراب والطعام في جوف الإنسان فيحق لنا أن نقول : إن السباحة هي الرياضة المفضلة بما يكتنفها من الطهر والنقاء . وأما الرماية التي عبّر بها عن القوة : فهي تسديد الرمي نحو الهدف فكلما كان التسديد محكما كانت الإصابة مضمونة ، وكان الهدف غرضا لها ، فإصابة الهدف إذن هي القوة ، سواء كان الهدف إنسانا أو حيوانا أو جمادا ، فليس الغرض المعبر عنه بالهدف قاصرا على عدوك وأنت تسدد إليه ضرباتك بالسهام أو الرصاص أو القذائف ، ولا هو قاصر على أنشودتك وأنت تصيد الطير والحيوان . أقول : ليس الغرض قاصرا على هذا وإنما يتجاوزه إلى المعنى وأنت تسدد القول وإلى البرهان وأنت تسدد المنطق ، وإلى الغاية وأنت تسدد جوارحك وإلى الذرة وأنت تسدد عقلك ، ثم إلى الخيال وأنت ترهف حسك هل القوة البالغة شيء غير هذا ؟ ؟ إن كل شيء تحكمه بعقلك أو لسانك أو جوارحك فتصيب الهدف الذي من أجله صوبت عقلك ، وثقفت لسانك ، وقوّمت جوارحك ، هذا الشيء هو أقوى مظهر للقوة في روحك وبدنك . لهذا حث صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أمته على الرمي ، والرمي المسدد الذي هو القوة ، وفي
هامش
( 1 ) سورة الأنفال ، الآية 60 . ( 2 ) سورة العلق ، الآيات 1 - 5 . ( 3 ) سورة القلم ، الآية 1 .