تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
كلها على كل النفوس ، ومن رحمته تفيض الرحمة كلها على كل القلوب . هذا الحب الذي من خيوطه ينسج الزوجان أوكار الصغار . وهي أجمل وأحلى وأقدس صورة خلقها اللّه في ملكوته من السماوات والأرض ، يدخل إليها الرجل وحشا فيصبح إنسانا ، وتدخل إليها المرأة لعبة فتصبح الجنة تحت أقدامها . تلك الأوكار التي تخيم عليها السكينة ، وتورق فيها الرحمة ، ويزهر بها الحنان وتثمر منها عبادة اللّه ، فيبدأ أول دعاء صادق نستمطر به رحمة اللّه على أفلاذ أكبادنا الذين جعلهم الخلاق الحكيم بسر الحب أعزّ علينا من أكبادنا .
* هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
« 1 » . هذا الحب الذي بسرّه صرنا نحب أطفالنا وأزواجنا وآباءنا وأمهاتنا ، والأهل والإخوان والخلان والجيران ، وكل أخ لنا في الإنسانية ، بل الحيوان الأعجم الضعيف الذي نأسى عليه إذا رأيناه يفقد عشيره أو صغيره ، حتى نكاد نبكي عليه من الرحمة . هذا الحب الذي خلق اللّه منه الجمال كله ، وفي خدمته صنع الإنسان الجميل كله ، من الشجاعة إلى الكرم إلى الزهو والخيلاء ، إلى الأناقة إلى الظرف إلى الترف إلى الحداء والغناء إلى الشعر والنحت والتصوير وهو يظن بهذا كله أنه يتعبد الحب والحبيب من غير أن يدري أنه في أعماق نفسه ، إنما يتعبد الذي خلق فيه السر العجيب . . . فالأوقات المملوءة بالمحبة هي أوقات الياقوت وأيام الأمل ، تشابه عود الزمرد ، والأزمان التي تمضي بالصداقة تحاكي الفيروز ، والأعمار التي تنقضي بالوئام والاتحاد تكون كاللآلىء فهذه النفائس بعد أن يمضي وقتها ، وبعد أن تتزين بها النحور ، يجب أن تصان في محافظ قيمة ، يجب أن يعنى بشأنها لئلا يصيبها أذى أو يعتورها فساد أو يلحقها غبار ينقص ويقلل من شأنها ، فإذا ما انقضى ربيع الحياة ومضت أنوار العمر وذبلت أزهار السرور والبسمات ، فإن إخراج هذه النفائس من مكامنها للتملي بمشاهدتها ، وإعادة الذكريات الحلوة برؤياها ، وتجديد خواطر الصبا بواسطتها ، سعادة يا لها من سعادة .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف ، الآية 189 .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 390 | السيد حسن القبانچي