والرحمة ، صلة الستر والتجمل .
وإن الإنسان ليحس في ألفاظ الإمام عليه السّلام ذاتها حنوا ورفقا ، ويستروح من خلالها نداوة وظلا ، وإنها لتعبير كامل عن حقيقة الصلة التي يفترضها الإسلام لذلك الرباط الإنساني الرفيق الوثيق . وإنها لتعبير عن العلاقات الجنسية المقامة على أساس من المشاعر الإنسانية الراقية التي تجعل من التقاء جسدين التقاء نفسين وقلبين وروحين . وبتعبير شامل التقاء إنسانين تربط بينهما حياة مشتركة وآمال مشتركة وآلام مشتركة ، ومستقبل مشترك ، يلتقي في الذرية المرتقبة ، ويتقابل في الجيل الجديد الذي ينشأ في العش المشترك الذي يقوم الولدان فيه حارسين لا يفترقان .
شرعت الزوجية فكانت أوثق الروابط وأمتن الصلات ، منها انحدرت البنوة ، ووجدت الأبوة ، وتولدت الأخوة ، وتفرعت القرابة ، وبها نشأت المصاهرة وتكونت الأسرة ، فكانت لذلك روح الاجتماع ، في صلاحها صلاح الأمة ، وفي قوتها قوة الدولة ، فهي مبدأ الإصلاح ومبعث النمو ، ومنشأ القوة .
شرع لها الإسلام من الحقوق والواجبات ما يكفل بقاءها وصلاحها وتبلغ به غايتها على ضوء الأخلاق العالية والعواطف النزيهة ، حيث يكون الولد البر والأب الرحيم ، والأم الحنون ، حيث ينشأ الطفل على الدين ، ويشب على الفضيلة ، ويهيأ لتحمل متاعب الحياة وتكاليفها ، ويوجه إلى مثلها العليا ، وغايتها المرجوة حتى يتم للعالم عمرانه وللإنسان سعادته .
ومن هذه النواحي نظر إليها الإسلام واهتم بأمرها ، فأوجب في بداية الأمر إشهارها وإعلانها ، وندب إلى الاحتفال بها تعظيما لشأنها . وأوجب على الزوج المهر .
وجعله حقا خالصا للزوجة ، جزاء ما رضيت به من شركة ، وما فرضته على نفسها من تبعية ، وما ستقدمه من معونة ، إعزازا لجانبها وتكريما لالتزامها . لا يجب فيها جهاز ، ولا مطمع فيه لأحد من زوج أو قريب ، ولا رغبة فيه لأحد إلا رغبتها خالصة .
رفع الإسلام من شأن الزوجية ، فجعلها صلة أبدية ، قوامها المحبة وأساسها المودة والرحمة ، يقول اللّه تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
« 1 » .
هذا الحب الذي من وده ينشأ الود كله في كل الصدور ، ومن سكنه تخيم السكينة
هامش
( 1 ) سورة الروم ، الآية 21 .