الأخرى . . . فإذا لم يكن كذلك فهو من العصاة وليس من المتقين .
وأما الصنف الذي أعيى العالمين أمره ، وأعجز الأطباء برؤه فهم أولئك الذين تتعهدهم بدروس الحكمة وتأخذهم بألوان الأدب ، وتغزوهم بالنذر ، وتتألفهم بالبشريات . . . ومع ذلك كله يستعصون على جهودك المتتابعة ويلقون القنوط في قلبك .
انظر إلى قوم إبراهيم كيف هشم أصنامهم ليثبت لهم أنها لا تملك لنفسها ولا لغيرها ضرا ولا نفعا فلما جاؤوها ورأوها مكبوبة مهينة تساءلوا :
قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ ( 62 ) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ( 63 ) فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ
( 64 ) « 1 » .
وإلى هذا الموقف كان يجب على الضلّال أن يهتدوا ، وأن يصحوا من غفلتهم على ضوء الحقيقة الرائعة ، لكن النفوس الملتوية تتقلب فيها مقدمات الحق ، فإذا بها تتمخض عن نتيجة أخرى !
لقد عادوا يقولون لإبراهيم ، إن آلهتنا - كما علمت - لا تنطق فكيف جرؤت على قداستها ؟ .
ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ( 65 ) قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ ( 66 ) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 67 ) قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
( 68 ) « 2 » . وجماهير الدهماء من هذا القبيل المتعب ، فهم إما أناس لا عقول لهم يعجزون عن إدراك الحق لقصور أذهانهم على نحو ما قال الشاعر :
أقول له عمرا فيسمع خالدا * ويقرأها زيدا ويكتبها بكرا
وإما أناس لهم عقول مدركة ذكية ، ولكن ليس لهم ضمائر حية ، فهواهم هو الذي يوجه علاقاتهم بالخصوم والأصدقاء ، ويفسد أحكامهم على الأشخاص والأشياء .
هؤلاء وأضرابهم هم الذين شبههم الرسول بالأرض السبخة . . . لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ! تحاول أن ترفع رؤوسهم وأن تحملهم عن الثرى الذي التصقوا به ، فكأنك تحرك الرواسي من أوضاعها التي شدت فيها .
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء ، الآيات 62 - 64 .
( 2 ) سورة الأنبياء ، الآيات 65 - 68 .