طائلة ، إلا أنهم أوعية حسنة للمعارف النافعة التي تظل قائمة بأنفسهم حتى يجيء من ينقلها عنهم ليعمل بها ويفيد منها ! ! .
وهذه الطائفة ليست صنفا واحدا ، فهناك حفاظ للعلم يعملون بقليل منه ويحملون كثيره دون تدبر فيه أو دراسة عميقة له .
وأمثال هؤلاء هم الذين يصدق فيهم قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « رب حامل فقه ليس بفقيه » ، « رب مبلغ أوعى من سامع » .
وربما اتسع علم هؤلاء وكثر بذلهم له . . . حتى يضرب الناس إليهم لينالوا من حكمتهم ما تصح به النفوس وتصحو الهمم ! ! فهم كالبحيرة التي تجمع الماء فيها فأضحت مثابة للعطاش يردونها ليرتووا ، وربما حمل الماء منها إلى الأرض العاطلة ، فإذا هي بعد حين حالية بالأزهار والرياض . . .
وحفظة العلم من هذا الصنف أقل رتبة في الخير من العاملين المعلمين ، بيد أنهم أرقى درجة من صنف آخر يعمل بضد ما يعلم ويسلك في الحياة مسلكا يزري بما أوتي من عرفان . . . وقد أعلن اللّه عز وجل سخطه على أولئك الذين يعلمون بأقوالهم ، ويجهلون بأحوالهم ، فقال :
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
( 3 ) « 1 » .
والحق أن هناك نفرا نكب العلم بهم ، وفضحت الأديان بسيرتهم جعلوا علمهم بالحق مصيدة للباطل فحفظوا منه كلمات يهدون بها الناس ، ثم انثنوا من جهة أخرى يجرون المنافع ويصطادون المغانم . . .
فالفواصل بين ما يقولون وبين ما يفعلون غليظة كثيفة ، طباع بهائم وتعاليم ملائكة .
وأحسب أن هذا الصنف ليس من قبيل الأرض المجدبة التي أمسكت الماء فالمفروض أن معدن هذه الأرض لا يفسد ما فوقه ! والنفوس ينبغي لها أن تصلح بالعلم ، فإذا لم تصلح به فلعل من بقية الخير بها أن تحفظه نقيا ليصلح به الآخرون . . . ! .
وقد تقول : إن الحديث ذكر علماء ينشرون الهدى ولا ينتفعون به ، فلم ترك العباد الأتقياء الذين ليس لديهم علم ينشرونه ؟ والجواب أنه ليس في الإسلام عباد جهلة ، وأقل أحوال المسلم أن يكون لديه معرفة بالفضائل والرذائل فهو يدعو للأولى وينفر من
هامش
( 1 ) سورة الصف ، الآية 3 .