والخرافات ، وثارت من مكامنها هوام الفتنة والزيغ ، وتصدر المجالس من ليس لها بأهل ، وأفتى من ليس بينه وبين العلم نسب ولا صهر ، فأذاع الأساطير وملأ الأفئدة والآذان بما ينبو عنه العلم الصحيح ، ويجافي الحق والصواب ولا يزال سادرا في ظلماء الزيغ حتى يضل من حوله بضلاله ويعمي البصائر عن سواء السبيل .
فحامل العلم خازن بيده مفاتيح ائتمن عليها ، فعليه أن يقوم بالعلم مقام الخازن المؤتمن الذي لا ينقص الناس ولا يزيدهم شيئا .
فهنا يتضح لنا أن من حق الرعية بالعلم ، ( أي المتعلمين ) ، أن يتلقوا ما يشاؤون من العلم عن طريق أهله وخزنته . وعلى حملة العلم أن يؤدوا ما وجب عليهم أداؤه من هذا الحق . يجب أن يعلّموا ، فهم إن لم يعلّموا ، مسؤولون أمام الحق والعدل . « وما أخذ اللّه على الجهلاء أن يتعلّموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلّموا » .
بالعلم حياة النفوس ونهضة الشعوب وتكوين أجيال أنضر وأزكى . فإذا منع العلماء العلم فقد انحطت أممهم ونزلت أسفل سافلين .
والحضارة التي تسود الحياة المعاصرة سارت أشواطا متفاوتة في مضمار الارتقاء العام ، فسبقت وحلقت .
لقد ارتفع مستوى الصحة العامة ، وأظن سكان العالم لم يبلغوا في عصر مضى هذا الحد من الكثرة .
إن الأوبئة التي كانت تذر الديار بلاقع تلاشت أو انكسرت حدتها .
إن الجهود مبذولة لإشاعة الثقافة والرياضة وتنشيط الأذهان والأبدان ، وخلق أجيال فارقتها بلادة الجهل والفوضى ، ونحن نود أن يصعد البشر في درج الرقي حتى يبلغوا القمة ، وأن تنجو الحياة من الأدواء التي أزلتها عن الصراط وعاقتها عن الكمال المنشود ، ولكن كيف السبيل ؟ وأين الغاية ؟ « وما أخذ اللّه على الجهلاء أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا » . ولما كان الإنسان كائنا متعدد الملكات والقوى ، فإن التسامي به يحتاج إلى وسائل كثيرة ، وسائل يجب أن تلاحقه مادة وروحا ، منذ يتكون قطرة ماء في بطن أمه إلى أن يتحول بشرا سويا يعالج الحياة وتعاني من جبروته ما تعاني ! .
ونحن ننشىء المعاهد ونمدّ بها أنهار المعرفة لتروى بها مواهب الإنسان ، كما تروى العيدان في الحقول ! فهل هذا التعليم هو الذي يصوغ الناشئة ويهيىء لها أطوارا
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 353
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٣٥٣