أرقى من سابقتها ؟ .
إن العلم حياة القلوب ، وضياء العقول ، وحاجة المرء إلى العلم كحاجة عينيه إلى الضوء ، غير أن فنون العلم وحدها لا تندرج بالحياة إلى آفاق أعلى ما لم تصاحبها وسائل أخرى تغير من طبائع المتعلمين أنفسهم حتى تتيح لهم الإفادة مما يتعلمون .
وفي الحديث : أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم ، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا ، فكان منها فتية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ . فذلك مثل من فقه في دين اللّه ونفعه ما بعثني اللّه به فعلم وعلّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به » .
والحديث واضح في أن العلم وحده لا يخلق أمة متساوية الأنصبة في حقائق الخير والتقى ، ولا في أسباب الفلاح والرشد .
والمثل الذي ضربه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لاستفادة الخلائق من رسالته ، عدّ أصنافا من الطبائع التي يحسن أن نشرحها .
فأولاها باللّه وألصقها بالحق وأجدرها بالتوقير والمثوبة . . . أولئك الذين علموا وعملوا وعلّموا ، إنهم استناروا بالمعرفة الصحيحة وأناروا الدنيا بها ! ! .
أخصبت نفوسهم بالخير المغروس فيها فأزهرت وأثمرت ، ثم امتدت الأيدي إلى جناها الداني تقطف منه ما تشتهي . . . أولئك دعائم الرشد في كل أمة ، إذا أقاموا رست أركانها ، وإذا ذهبوا ذهبت ريحها . . .
هذا ما قرره الرسول الكريم إذ قال : « إن اللّه لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا » . فالعلماء الذين يعصمون الجماعات من الزيغ هم أولئك الذين أماتوا أهواءهم وقاموا بحق اللّه في أنفسهم وفيما حولهم ، انتفعوا بالإسلام ونفعوا الآخرين به ، واتصلت حياة هذا الدين بهم ، كما تتصل حياة الشجرة بما تحمل من بذور فيها طبيعة الإنتاج والنماء ، فهي وإن ولّت أعقبت بعدها ما ينبت مثلها أو أشد إلى أن يأذن اللّه بانقضاء الحياة والأحياء .
وذكر الحديث طائفة أخرى من العلماء الذين لا يستفيدون مما علموا فائدة
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 354
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٣٥٤