هذا الفصل يحتوي على أمور خطيرة مهمة ، ومسائل دقيقة كثيرة ، ولا نبالغ بالقول إذا قلنا إن موضوع هذا الفصل هو أنفس نفائس كتابنا هذا ومن أهمّ وأدقّ مباحثه الجليلة . كما سترى من كشف القناع من أسراره العجيبة وتحليل فلسفته البليغة العالية .
العلم عند الإمام عليه السّلام ( والحق كذلك ) ، كنز ثمين لا يناله من عباد اللّه إلا الذين أحسنوا وآمنوا واتقوا .
وهذا الكنز هو من أثمن الكنوز ، ولكنه يمتاز عنها بأنه لا تجف ينابيعه وليس له نفاد ، وإنما هو ينمو ويزداد ويزدهر بقدر ما ينفق منه . قال علي أمير المؤمنين عليه السّلام :
« المال ينفد والعلم يزكو على الإنفاق » .
كما أن أصحاب هذا العلم وأهله خالدون بخلوده ليس يعروهم فناء ، لأن لهم حياة ثانية يستأنفونها بعد أن ينعتقوا من سجن البدن ، وينطلقوا في فناء الروح الأبدية ، فيحيون ويرزقون خيرا مما كانوا يحيون ويرزقون أولا ، ويكون لهم ذكر على الأفئدة والقلوب لا يمحوه الدهر ولا يقوى عليه الزمان « العلماء باقون ما بقي الدهر » .
العلماء مصابيح الهداية ، ورسل الرشاد ، وأمناء اللّه في خلقه . يهدون الضال ، ويأخذون بيد المسترشد إلى حيث السداد والصواب . آتاهم اللّه من بسطة الفهم ، وسعة العقل ونفاذ البصيرة ما يكون عصمة لهم من الزلل في الرأي والخطل في الفهم ، وعونا على استكناه الحقائق وكشف غوامض العلوم ، فصدورهم أوعية المعارف ، وعقولهم خزائن الحكم ، يفيض منها على الناس ينبوع لا ينضب ومعين لا يغيض . وعلى مقدار كثرتهم في الأمة واسترشاد الناس بهم يكون رقيها وعزها . كما أن في قلتهم وانفضاض الأفراد من حولهم أو ابتعادهم عن الناس يكون انحطاطها وتأخرها وانغمارها في جهالة جهلاء ، وفشو الأكاذيب والأضاليل فيها .
وبموت العالم يخبو مصباح يضيء ظلمات الحياة ، ويثلم سيف كان للحق ماضيا ، وينهدم ركن من أركان عظمة الأمة ومجدها ، فإن لم يخلفه غيره بقي ذلك الجانب مهيضا ، وظل ذلك الركن مظلما ، واستولت من بعده على العقول الأوهام
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 352
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٣٥٢