تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
برأيك ، والاعتماد لأمرك ونهيك ، لما بلونا من جدوى ذلك علينا ، وذقنا من جنى منفعته حتى صار ذلك بنجوعه فينا وترسخه في أذهاننا وعقولنا كالقضاء لنا ، فما ننفك نعول عليه ونستمد منه استمداد الجداول من البحور ، وتعويل الفروع على الأصول وقوة الأشكال بالأشكال . وقد كان مما سيق إلينا من النصر والفلج ، وأتيح لنا من الظفر وبلغنا في العدو من النكاية والبطش ما يعجز القول عن وصفه ، ويقصر شكر المنعم عن موقع الإنعام به ، وكان من ذلك أنا جاوزنا أرض سوريا والجزيرة إلى بابل وأرض فارس ، فلما حللنا بعقوة أهلها وساحة بلادهم ، لم يكن إلا ريثما تلقانا نفر منهم برأس ملكهم هدية إلينا ، وطلبا للحظوة عندنا ، فأمرنا بصلب من جاء به وشهرته لسوء بلائه وقلة ارعوائه ووفائه ، ثم أمرنا بجمع من كان هناك من أولاد أبناء ملوكهم وأحرارهم وذوي الشرف منهم ، فرأينا رجالا عظيمة أجسامهم وأحلامهم ، حاضرة ألبابهم وأذهانهم ، رائعة مناظرهم ومناطقهم ، دليلا على أن ما يظهر من روائهم ومنطقهم ، أن وراءه من قوة أيديهم وشدة نجدتهم وبأسهم ما لم يكن ليكون لنا سبيل إلى غلبتهم وإعطائهم بأيديهم لولا أن القضاء أدى لنا منهم وأظفرنا بهم وأظهرنا عليهم ، ولم نر بعيدا من الرأي في أمرهم أن نستأصل شأفتهم ، ونجتث أصلهم ونلحقهم بمن مضى من أسلافهم ، لتسكن القلوب بذلك إلى الأمن من جرائرهم وبوائقهم ، فرأينا أن لا نعجل بإسعاف بادىء الرأي في قتلهم دون الاستظهار عليهم بمشورتك فيهم ، فارفع إلينا رأيك فيما استشرناك فيه بعد صحته عندك وتقليبك إياه بجلي نظرك . وسلام أهل السّلام فليكن علينا وعليك . فكتب إليه أرسطو : لملك الملوك وعظيم العظماء الإسكندر ، المؤيد بالنصر على الأعداء ، المهدى له الظفر بالملوك ، من أصغر عبيده وأقل خوله أرسطوطاليس ، ليس البخوع بالسجود والتذلل في السّلام ، والإذعان في الطاعة . أما بعد ، فإنه لا قوة بالمنطق وإن احتشد الناطق فيه واجتهد في تثقيف معانيه ، وتأليف حروفه ومبانيه على الإحاطة ، بأقل ما تناله القدرة من بسطة علو الملك وسمو ارتفاعه عن كل قول ، وإبرازه على كل وصف واعترافه بكل إطناب . وقد كان تقرر عندي من مقدمات أعلام فضل الملك في صهلة سبقه وبروز شأوه ويمن نقيبته ، مذ أدت إلى حاسة بصري صورة شخصه ، واضطرب في حس سمعي صوت لفظه ، ووقع وهمي على تعقب نجاح رأيه ، أيام كنت أؤدي إليه من تكلف تعليمي إياه ، ما أصبحت قاضيا على نفسي بالحاجة إلى تعلمه منه ، ومهما يكن مني إليه في ذلك ، فإنما هو عقل مردود إلى عقله مستنبطة أواليه