هو دونه ، لأن الكامل لا يفتقر إلى الناقص ولا العالم يحتاج إلى الجاهل .
ثم قال الشيخ المفيد للورثاني : أما الآية التي استدليت بها ، وهي
وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا
فإنها حجة عليك لا لك ، لأن اللّه أمره أن يفعل متى عزم هو ، لا حين يشيرون عليه ، فعلّق وقوع الفعل بعزم النبي لا بمشورة الأصحاب ، ولو كان الأمر على ما زعمت وادعيت لقال له : فإذا أشاروا عليك فاعمل بمشورتهم ، وإذا اجتمعوا على رأي فأمضه .
وإن قال قائل : إذن ما الغاية من المشورة ؟ قلنا في جوابه : « إن الغاية منها أن يتألف النبي أصحابه ، ويعلمهم كيف يصنعون ويتعاونون فيما بينهم ، فالاستشارة كانت لذلك لا لحاجته إلى آرائهم » « 1 » .
قالوا : الخطأ مع المشورة أصلح من الصواب مع الانفراد والاستبداد . وقال صاحب ( كليلة ودمنة ) : لا بد للسلطان من مستشار مأمون ، يفضي إليه بسره ويعاونه على رأيه .
المستشير وإن كان أفضل من المستشار وأكمل عقلا وأصح رأيا ، فقد يزداد برأي المشير رأيا كما تزداد النار بالدهن ضوءا ونورا .
قال الشاعر :
إذا أعوز الرأي المشورة فاستشر * برأي نصيح أو مشورة حازم
وينبغي أن نذكر هنا رسالة أرسطو إلى الإسكندر عندما استشاره في أهل البيوتات ، وذوي الأحساب ، من أهل إيران شهر ، حينما استولى عليهم ، استشاره بما ذا يعاملهم ، أبالقتل أم بالعفو عنهم ؟ فأشار عليه أرسطو بأن يعفو عنهم ويخصهم بالرئاسة والإمرة ، ولا يعدل عنهم إلى العامة والسفلة .
« ولما ملك الإسكندر ( إيران شهر ) وهو العراق مملكة الأكاسرة ، وقتل دارا بن دارا ، كتب إلى أرسطو ، وهو ببلاد اليونان :
عليك أيها الحكيم منا السّلام ، أما بعد فإن الأفلاك الدائرة والعلل السمائية ، وإن كانت أسعدتنا بالأمور التي أصبح الناس لنا بها دائبين ، فإنا واجدون جلّ الاضطرار إلى حكمتك غير جاحدين لفضلك والإقرار بمنزلتك ، والاستنابة إلى مشورتك والاقتداء
هامش
( 1 ) مع علماء النجف .