تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
الحكم ليس سلطة يستبد بها كيف شاء ، وأنه ليس لذة لشخصيته ولا نفعا مختلسا وإنما هو تكليف . واشتراط الأمانة هو إحاطة للسلطان بسياج من الأخلاق الفاضلة التي يستلزمها الاضطلاع بمهمة الحكم . ومن الأمانة الحرص على شؤون الرعية المادية والأدبية ، والحرص على الدفاع عنها والحزم ، فإن الحازم لا يخون الحقوق بشفاعة الشافعين ، لا حقوق الأفراد ولا حقوق المجتمع على المذنب ولا حقوق اللّه على متعدي حدوده . ولا يميل الحازم مع عاطفته الشخصية في تقريب الأفراد أو إبعادهم . وقد عد الفقهاء في باب الأمانة : الرحمة والرفق بالرعية ، وتأديب المفسدين العابثين بالأمن العام . فهذا الحديث النبوي قسم من دستور الحكم وما تتطلبه الحكومة من صفات لشخص الحاكم . ويتممه قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ومن ولّاه اللّه شيئا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم ، احتجب اللّه دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة » . وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها إلي فإن من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبّت اللّه قدميه يوم القيامة » . فالإسلام حين يشترط في السلطان ألا يحتجب دون حاجات الناس ، يسد باب المحسوبية وباب الرشوة . ويوفر للمحكومين أول أركان الاطمئنان ، وهو العدل فيهم والوقوف على احتياجاتهم . وفي التشريع الإسلامي لا يجوز أن يعهد بالحكومة أو ولاية الأقاليم أو المدائن أو القرى ( أو أي وظيفة عامة ) إلى رجل يطلبها بنفسه أو يتطلع إليها ، لأن طلبه للحكم يجعله في نظر الإسلام رجلا غير أمين وصاحب غاية شخصية ، إما أن تكون : الانتفاع المادي عن طريق الولاية ، أو الاستمتاع بلذة السلطان ، وكلا الأمرين مناقض لمصلحة الأمة المحكومة . ومن قديم الزمان كان طالب الحكم يعلل طلبه له بأن يرى في نفسه القدرة عليه ، ولكن التعليل الإسلامي لهذه الرغبات هو الضعف وفساد الذمة وعدم الأمانة . وشدد الإسلام على السلطان وحذره الظلم ، وخوّفه الآخرة ، وقرر أن السلطة تقابلها المسؤولية « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » . وهذا أصل من أصول القانون الدولي الخاص في العصور الحديثة ، ابتدعه الإسلام ولم يسبقه غيره إليه ونظام السلطة الإسلامية نظام دستوري بأوسع المعاني ، فالأمير يستمد سلطته وولايته من البيعة الشعبية العامة ، وتكون البيعة من أهل السيف ( لأنهم قوته في حماية الدولة ) وأهل العلم