الرعية إلى الوالي حقه ، وأدى الوالي إليها حقها ، عز الحق بينهم وقامت مناهج الدين واعتدلت معالم العدل وجرت على أذلالها السنن ، فصلح بذلك الزمان وطمع في بقاء الدولة ويئست مطامع الأعداء . وإذا غلبت الرعية وإليها وأجحف الوالي برعيته ، اختلفت هنالك الكلمة ، وظهرت معالم الجور وكثر الإدغال في الدين ، وتركت محاج السنن ، فعمل بالهوى وعطلت الأحكام وكثرت علل النفوس ، فلا يستوحش لعظيم حق عطل ولا لعظيم باطل فعل ، فهنالك تذل الأبرار وتعز الأشرار . وتعظم تبعات اللّه سبحانه عند العباد . . . » « 1 » .
« نستخلص من هذه التوجيهات ، الأمور التالية :
1 - إن المجتمع الصالح الذي يعز فيه الحق ، ولا يطمع فيه العدو يتقوم بأمرين :
صلاح الراعي ، وصلاح الرعية ؛ أما صلاح الراعي فبعلمه وإخلاصه ، وكفاءته للقيام بأعباء الحكم . وأما صلاح الرعية فيتقوم بالنصح والإخلاص للراعي الصالح ، والتعاون على الخير والنفع العام ، فإذا قصّر الراعي ، أو تمردت الرعية فقد الأمن ، وعم القلق والذعر ، وشلت الأعمال ، وإلى هذا أشار الإمام بقوله : « فعمل بالهوى ، وعطلت الأحكام » . وقد اعتبر الإسلام التمرد على الحاكم تمردا على المجتمع ، وسمى الخارجين عليه بالساعين في الأرض فسادا .
وينبغي الإشارة إلى أن حق الرعية على الراعي ثابت مطلقا ، سواء أقامت الرعية بما عليها من حق الراعي ، أو لم تقم . . . أما حق الراعي على رعيته فمقيد بصلاح الراعي ، قيامه بما عليه من حق . . . فإن أهمل فلا تجب طاعته ، بل يجوز خلعه وعزله .
2 - إن التعاون على الخير والأمر بالمعروف ، حق اللّه على جميع المكلفين ، وإن من ترك ذلك تهاونا فقد خان أمانة اللّه عز وجل ، جاء في الحديث : « من رأى أخاه على أمر يكرهه فلم يردعه عنه ، وهو يقدر عليه فقد خان اللّه » . وقال الإمام لولده الحسن عليه السّلام : « امحض أخاك النصيحة حسنة كانت أم قبيحة » .
3 - إن الإنسان مهما بلغت منزلته من العلم ، وعظمت مكانته في الدين يظل مفتقرا إلى النصيحة والإرشاد ، حتى من الأشخاص العاديين ، إذ ربما كشفوا له عن شيء أو أشياء لم يلتفت إليها ، ومن رأى نفسه فوق النقد ، فقد ادعى أنه بلغ الشوط الأخير ، وأحاط بكل شيء علما . . . قال الإمام في آخر الخطبة - التي نقلنا منها القطعة
هامش
( 1 ) الثالث من شرح النهج لابن أبي الحديد .