وهكذا يربط الإسلام بين العقيدة والشعائر . فهي منبثقة من العقيدة وقائمة عليها .
والشعائر كما مر تعبير عن هذه العقيدة ورمز لها . والمهم أن تصطبغ الحياة كلها ، ويصطبغ نشاطها كله بتلك الصبغة ، فتتوحد الطاقة ويتوحد الاتجاه ، ولا تتمزق النفس الإنسانية في شتى الاتجاهات .
ويستطرد القرآن السياق في تقرير هذا المعنى وتوكيده ، وهو يبني شعائر الحج بنحر البدن :
وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
( 36 ) « 1 » .
ويخص البدن بالذكر لأنها أعظم الهدي ، فيقرر أن اللّه أراد بها الخير لهم ، فجعل فيها خيرا وهي حية ، تركب وتحلب ، وهي ذبيحة تهدى وتطعم ، فجزاء ما جعلها اللّه خيرا لهم أن يذكروا اسم اللّه عليها ويتوجهوا بها إليه ، وهي تهيأ للنحر بصف أقدامها :
فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها
واطمأنت على الأرض بموتها أكل منها أصحابها ، استحبابا ، وأطعموا منها الفقير القانع - الذي لا يسأل - والفقير المعتر - الذي يتعرض للسؤال .
فلهذا سخرها اللّه للناس ليشكروه على ما قدر لهم فيها من الخير حية وذبيحة :
كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . . .
وحين يؤمرون بنحرها باسم اللّه
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها ،
فإن اللحوم والدماء لا تصل إلى اللّه سبحانه ، إنما تصل إليه تقوى القلوب وتوجهاتها - لا كما كان مشركو قريش يلطخون أوثانهم وآلهتهم بدماء الأضحيات على طريقة الشرك المنحرفة الغليظة !
كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ .
فقد هداكم إلى توحيده وحقيقة الصلة بين العمل والاتجاه
وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ
الذين يحسنون التصور ، ويحسنون الشعور ، ويحسنون العبادة ، ويحسنون الصلة باللّه في كل نشاط الحياة .
هكذا علم الإسلام المسلم أنه لا يخطو في حياته خطوة ، ولا يتحرك في ليله أو نهاره حركة ، إلا وهو ينظر فيها إلى اللّه . ويجيش قلبه بتقواه ويتطلع فيها إلى وجهه ورضاه .
فإذا الحياة كلها عبادة تتحقق بها إرادة اللّه من خلق العباد ، وتصلح بها الحياة في الأرض وهي موصولة السبب بالسماء .
وصفوة القول إن ( الهدي ) شيء أمر به العقل والشرع ، إذ فيه عون الفقير وإرهاف
هامش
( 1 ) سورة الحج ، الآيتان 35 - 36 .