تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
وغاية كريمة ، لو لم يكن للصوم إلّاها لكفى . وفي الحديث والسنة الشريفة ، الشيء الكثير مما يعبر عن هذا المعنى بأساليب رائعة ، « إذا دخل شهر رمضان ، فتحت أبواب الجنة وأغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين » . فأبواب الجنة العقل الشريف والإرادة الإنسانية المماشية له جنبا لجنب وأبواب النار المغلقة والشياطين المصفدة ، الشهوات تخضع لحكم العقل ، وتنقاد لسلطانه وتسخّر لإشاءته . ومن ثمراته الطيبة التمرن على الصبر حتى يكون ملكة راسخة في النفس تستمد منها الثبات وترتاد منها القوة وتدرع بها حيث تصدمها الحوادث وتنكبها الأيام ، والصبر جناح العز وسلاح الظفر ووسيلة الفوز والنجاح . وفي الحديث الشريف : « الصوم نصف الصبر ، والصوم نصف الإيمان ، وحسب الصائم أن ينال درجة الصابرين »
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
( 10 ) « 1 » . ومن حكمه العالية وأسراره الكريمة تلطيف النفس وترقيقها ولفتها إلى النعم التي ألفتها وتربت في أحضانها من حيث لا تقيم لها وزنا ، فبسغب الجوع يفطن إلى لذة الشبع ، وبكظة العطش يتعرف قدر نعمة الارتواء ويستفزه ذلك إلى أنه محاط بالنعم من بارئه الكريم ، قائم قاعد في ظلها الوارف ، غارق في سكرة خمرتها . ومن ناحية ثانية ، يلفته إلى عجزه وضعفه وحاجته وفقره ، فلا يقدر أن يحتفظ بقواه إذا ما قدّر عليه طعامه ، ولا يتسنى له ذلك إلا بيد غيبية وألطاف إلهية ، وقد يتغلغل به الفكر فيستطرد سائر مناحي حياته وعموم تقلباته ولحظاته ، فيراها خارجة عن قيد قدرته بعيدة عن الرضوخ لإشاءته ، وإنما هي مسخرة له من لدن لطيف خبير ، فيفيء إلى ذكره وينشط إلى شكره ويتحرى أن يكون قيد نهيه وأمره . وعلى هذا الأساس جاء في الحديث الكريم : « لكل شيء باب وباب العبادة الصوم » . ومن جهة ثالثة : يلفته بما يلازمه غالبا من ألم الجوع وعناء التعب إلى تعاسة حال الفقراء فيثير في نفسه الرقة والحنان فيبعثه على إسهامهم شيئا من أمواله يستعينون به على إصلاح شؤونهم ، ومن ذلك يكون له منهم أودّاء مخلصين وأحبّاء صادقين يستغل خيرهم ويأمن شرهم . وعلى هذه النقطة تدور رحى نظام الحياة ، ومن أسراره القيمة أن يرتقي بنفسه من حضيض النفس البهيمية إلى ذروة التشبه بالملائكة الروحانية ، وذلك
هامش
( 1 ) سورة الزمر ، الآية 10 .