تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
( 183 ) « 1 » . اختصاص للمؤمنين ، خصهم اللّه تعالى بشرف هذا الخطاب الكريم - على حين أن الحكم عام - تكريما لهم واعتناء بشأنهم ، وإيماء إلى نفاسة هذه العبادة فلا يسعد بها إلا المؤمن المصدق . ولفتا إلى اعتبار الإيمان في صحتها ، وتحريضا واستحثاثا على الإقبال عليها واستساغتها . ففي الحديث عن الإمام الصادق عليه السّلام : « لذة هذا النداء أزال تعب العبادة والعناء » . وإن في الغاية التي لوحت إليها الآية الشريفة ما تستريح إليه نفس العارف دلالة ويملؤها إيمانا بأن الصيام من أشرف العبادات غاية ، وأجلبها نفعا ، وشرف العمل بشرف غايته . يدلك على هذا الطلب الجميل بهذا الأسلوب الفذ وهذه الصورة الرائعة أن الصوم جنة يتقى بها أسوأ الأضرار الدنيوية والأخروية على ما مر ذكره . وعلى هذا اللحن يوقع الحديث النبوي : « الصوم جنة » . ذلك بما أنه رياضة عالية ودرس عملي يغذي الإرادة الإنسانية بالنشاط ويمدها بالقوة ، ولقوة الإرادة إلى حد مكانتها من الكرامة ، فتأخذ على يد الشهوات بيد حديدية ، وتحول دون أن تسترسل بالمرء فتهوي به إلى مكان سحيق ، وتهبط في كرامته إلى درجة الصفر ، وتميت فيه روح الطموح إلى العز والاشتياق إلى المعالي ، والتحبب إلى غرر المآثر وترتاد له المرعى الوبيل ، وتورده موارد الذل . أجل وما من فساد يحيق في العالم ، إلا وهي زناده القادحة ويده العاملة ، فإذا لم يكبح جماحها ، ويضيق عليها الخناق بالارتياض والرقابة الدقيقة ، فتنقهر لسلطان الإرادة الإنسانية والعقل الشريف ، تلتهب نارا يتطاير شررها ويتعاظم ضررها . وإن من أنجح الوسائل إلى ذلك ( الصوم ) تطمح نفس الصائم إلى ما كانت تعودته من ذي قبل من ملاذ فيردها قسرا ويوسعها زجرا ، وإن من شأنها أن تتصاغر لدى الجد وتقف قبالته على حد ، فإذا رأت الصرامة في العزم انقادت إليه طائعة وصغت لأمره سامعة ، وهي معتادة لما عودت عليه ، فإذا اعتادت الانقياد للإرادة رسخت فيه قدما وارتاحت له نفسا ، ومشت على ضوئها مسيرة لما خلقت له ، وناهيك بها ثمرة طيبة
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 183 .