تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
« 1 » . وهل من صبر أعظم من أن يمتنع الإنسان عن شيء يشتهيه وهو في متناول يده ؟ . وهل من صبر أجلّ من الصبر على مقاومة النفس في أعظم شهواتها وأحبها إليها ، وهي شهوة البطن وشهوة الفرج ؟ . وهل من صبر أشد على النفس من صبر على أمر لا رقيب فيه غير اللّه ؟ . وهل من صبر أحب إلى اللّه من صبر كان منشؤه والباعث إليه مجرد الخوف من اللّه ؟ . كم هو عظيم أن تتطلع نفس الصائم إلى الشهوات ، وتتهيأ له أسبابها ، وهو في خلوة من الأنظار ، فيعرض عنها لمحض الخشية ، ويؤثر رضا مولاه عن كل لذة . ولقد ورد في الحديث ما يدل على أنه ليس المقصود من الصوم مجرد الإمساك عن الطعام والشراب والجماع ، بل لا بد من الإمساك معه عن الكلام البذيء والعمل القبيح وسائر المحرمات . إذ يقول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الصيام جنة ( أي سترة ووقاية ) إذا صام أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم » وفي حديث آخر : « الصوم جنة ما لم يخرقه بكذب أو غيبة » وفي حديث آخر : « إن الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته » ولما تلا قوله تعالى :
* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
« 2 » ، وضع يده على سمعه وبصره فقال : « السمع أمانة والبصر أمانة » . ولولا أن السمع والبصر من أمانات الصوم لما قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « فإن امرؤ سابه أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم » . أي إني أودعت لساني لأحفظه ، فكيف أطلقه لجوابك وكذلك أعضاء ابن آدم أمانة عنده يجب أن لا يطلقها في حالة الصوم فيما لا يرضي اللّه . وإذا أمكن للإنسان أن يترك كل هذا في حالة الصوم ، فإنه سيتعود لا محالة أن لا يستعمل أعضاءه دواما في غير ما خلقت له من الطاعات . وإذا لم يستطع أن يقهر نفسه على ترك جميع المحرمات في رمضان ، فإنه لم يحقق الغاية التي شرع الصوم من أجلها . وفي هذا يقول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع » وقد وردت أحاديث عديدة بأن الغيبة تفسد الصوم . وإذا حملها البعض على المبالغة في التحذير منها ، فمما لا جدال فيه أنها تتنافى مع حالة الصائم
هامش
( 1 ) سورة الزمر ، الآية 10 . ( 2 ) سورة النساء ، الآية 58 .