تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
إنه الصيام الذي فيه امتحان الإيمان واختبار العقيدة ، وقياس الصدق والصبر ، فيه تدريب للنفس على القوة والفضيلة والتعاون وانسجام الشعور وتجاوب القلوب . إنه الصيام : الذي فيه تجريد النفس من الخبث والرذائل ، إنه النهوض بالأخلاق والمقومات النبيلة . إنه الصيام : الذي يعزز الفضائل ويقمع الرذائل . إنه الصيام : الذي هو مجال تقرير الإرادة الإنسانية ، والشخصية الإنسانية ، بالاستعلاء على ضرورات الجسد جميعا ، واحتمال ضغطها وثقلها بالمقاومة الإرادية الواعية ، التي تستعلي على الضرورات جميعا ، كما أنه مجال لاختبار مدى الطاعة للّه ، والاتصال باللّه ، والاستسلام لفرائضه أيا كان فيها من الحرمان ، إيثارا لما عند اللّه من المتاع . هذا بالإضافة إلى أن الصوم - كما نبه الإمام - صلوات اللّه وسلامه عليه - حجاب صفيق بين الإنسان وبين الوقوع في الخطأ ، كما يحول بين المرء وبين أن يتبع هواه عن طريق لسانه وسمعه وبصره وفرجه وبطنه . وليس هذا الحديث : « الصوم جنة من النار » غريبا علينا إذا علمنا بأن الصوم هو نفسه أداة لإماتة الشهوة وإطفاء جذورها الملتهبة ، وربما نجد سبيلا لأن نربط بين جوع المعدة وخلوها من الطعام ، وكذلك بين الظمأ وبين إماتة الشهوة وإطفائها فقد يمكن القول إن كثيرا من أسباب الشهوة المتقدة يرجع إلى امتلاء البطن وشبعها ، وإلى الري الكامل الذي لا ظمأ معه . ولا ريب أن تقليل المأكول نافع للنفس والأخلاق ، والتجربة قد دلت عليه لأنا نرى المكثر من الأكل يغلبه النوم والكسل وبلادة الحواس وتبخر المأكولات الكثيرة أبخرة كثيرة فتتصاعد إلى الدماغ فتفسد القوى النفسانية . وأيضا فإن كثرة المأكل تزيل الرقة وتورث القساوة والسبعية ، والقياس أيضا يقتضي ذلك لأن كثرة المزاولات سبب لحصول الملكات ، فالنفس إذا توفرت على تدبير الغذاء وتصريفه ، كان ذلك شغلا شاغلا لها وعائقا عظيما عن انصبابها إلى الجهة الروحانية العالية ، ولكن ينبغي أن يكون تقليد الغذاء إلى حد يوجب جوعا قليلا فإن الجوع المفرط يورث ضعف الأعضاء الرئيسية واضطرابها واختلال قواها ، وذلك يقتضي تشوش النفس واضطراب الفكر واختلال العقل ، ولذلك تعرض الأخلاط السوداوية لمن أفرط عليه الجوع ، فإذن لا بد