تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
من إصلاح أمر الغذاء بأن يكون قليل الكمية كثير الكيفية ، فتؤثر قلة كميته في أنه لا يشغل النفس بتدبير الهضم عن التوجه إلى الجهة العالية الروحانية ، وتؤثر كثرة كيفيته في تدارك الخلل الحاصل له من قلة الكمية . ويجب أن يكون الغذاء شديد الامداد للأعضاء الرئيسية ، لأنها هي المهمة من أعضاء البدن وما دامت باقية على كمال حالها لا يظهر كثير خلل من ضعف غيرها من الأعضاء . والسبب الطبيعي في كون الجوع مؤثرا في صفاء النفس : أن البلغم الغالب على مزاج البدن يوجب بطبعه البلادة وإبطاء الفهم لكثرة الأرضية فيه وثقل جوهره وكثرة ما يتولد عنه من البخارات التي تسد المجاري وتمنع نفوذ الأرواح ، ولا ريب أن الجوع يقتضي تقليل البلغم لأن القوة الهاضمة إذا لم تجد غذاء تهضمه عملت في الرطوبة الغريبة الكامنة في الجسد ، فكلما انقطع الغذاء استمر عملها في البلغم حتى يفنى كل ما في البدن من الرطوبات الغريبة ، ولا تبقى إلا الرطوبات الأصلية ، فإن استمر انقطاع الغذاء أخذت الحرارة والقوة الهاضمة في تنقيص الرطوبات الأصلية من جوهر البدن ، فإن كان ذلك يسيرا وإلى حد ليس بمفرط لم يضر ذلك بالبدن كل الإضرار ، وكان ذلك هو غاية الرياضة وإن أفرط وقع الحيف والإجحاف على الرطوبة الأصلية وعطب البدن ووقع صاحبه في الدق والذبول ، وذلك منهي عنه لأنه قتل النفس فهو كمن يقتل نفسه بالسيف أو بالسكين . وقد سبق لنا أن ذكرنا في بعض أبحاثنا : أن الجوع المفرط فضلا عن أنه يميت الشهوة ، فهو يميت كل حيوية وكل قوة وكل نشاط للإنسان ، ولذلك يمكن أن نقول : ( أشبع الجائع ثم أفهمه ما تريد أن تقول له ) وقال بعضهم : ( إذا كلمت الجائع سمعك بمعدته ، وإذا خاطبته فسيجيبك بمعدته أيضا ) . إذ لا يصدر أي فعل عنه إلا بموجب ما يؤدي إلى شبع المعدة الخاوية . وهناك جانب آخر : وهو أن الصوم ليس بعاصم الإنسان من كل ما يشتهيه ، وإنما هو معين على ذلك ومؤدّ إليه على الأكثر . فعلى المرء أن يعصم نفسه عن الزلل بإرادة قوية حازمة تردعه عن النظر إلى المحرمات وتناول ما لا يحل تناوله ، فإن الاتجاه إلى المنهي عنه يسقطه ويخزيه . والعصمة والقوة من اللّه . * * * وفي قوله اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ