تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
تغلبوا على الشهوات وانصرفوا إلى الطاعات ، وأنالهم اللّه أعلى الدرجات جاء في الرواية : « أول بدعة حدثت بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الشبع ، فإن القوم لما شبعت بطونهم جمحت نفوسهم إلى هذه الدنيا » . ولقد فرض اللّه على عباده الصوم في جميع الديانات السابقة بطرق مختلفة ، وشرعه القرآن للمؤمنين بالطريقة التي هو عليها في رمضان ، وأخبرنا بالغاية المرجوة منه ، وهي تقوى اللّه حيث يقول تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
« 1 » . وهل من تقوى أعظم من أن يراقب العبد ربه ويردع عن الشهوات نفسه ، ويحفظها ويخضعها لامتثال أمر مولاه ، يترك طعامه وشرابه حبّا في رضاه . وفي هذا أعظم معاني الجهاد للنفس بإذلالها وإشعارها بمبلغ ضعفها وشدة حاجتها إلى لقمة من الطعام تقيم أودها ، وشربة من الماء تتبلغ بها ، لتسكن إلى ربها وتخضع لعظمته ، فلا تتكبر عن عبادته ، وتتصور مقدار فضله عليها ، فتبالغ في شكره وتذكر حالة الفقير فيزيد خوفها ويعظم عطفها على عباده ، فتكثر من الصدقات وتزيد في الإيثار وتحسن كما أحسن اللّه إليها . وبذلك تسمو وترتفع وتكون مثلا أعلى للكمال الإنساني والنفس العالية . ومن أجل هذا لم يكن الصوم من العبادات الإيجابية التي تشاهد ، بخلاف غيره من العبادات التي يؤديها الإنسان ويطلع عليها الناس ، بل هو عمل سلبي في الظاهر بالإمساك عن الطعام والشراب ، ولكنه لا يتحقق إلا بعمل إيجابي من ناحية القلب بالنية والصبر وكثرة المراقبة والتدبر والاتعاظ . ويصل الإنسان بصومه إلى مجموعة من الفضائل والمكرمات ويحصل على عظيم الأجر وأرفع الدرجات ، فهو بهذا الاعتبار من أفضل العبادات لبعده عن شائبة الرياء ، كما ورد فيه قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الصيام لا رياء فيه » قال اللّه : « هو لي وأنا أجزي به ، يدع عبدي طعامه وشرابه من أجلي » . وهو إلى جانب هذا من العبادات التي تقوم على دعائم الصبر وتشتمل على كل أنواعه : فهو صبر على طاعة اللّه ، وصبر عن المحارم والشهوات ، وصبر على آلام الجوع والعطش وضعف النفس والبدن . ولهذا كان يسمي الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : رمضان شهر الصبر ، وورد عنه أنه قال : « الصوم نصف الصبر » . وقد امتدح اللّه عباده الصابرين ، وبشرهم بالثواب العظيم حيث قال :
إِنَّما يُوَفَّى
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 183 .