تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
يكون إنسان مع إنسان كحمار مع إنسان يبيعه القوة كلها بالقليل من العلف . وبالصوم يتقي هذا وهذا ما بين يديه وما خلفه ، فإن ما بين يديه هو الحاضر من طباعه وأخلاقه ، وما خلفه هو الجيل الذي سيرت منه هذه الطباع والأخلاق ، فيعمل بنفسه في الحاضر ، ويعمل بالحاضر في الآتي « 1 » . وكل ما شرحناه فهو اتقاء ضرر لجلب منفعة . واتقاء رذيلة لجلب فضيلة وبهذا التأويل تتوجه الآية الكريمة جهة فلسفية عالية ، لا يأتي البيان ولا العلم ولا الفلسفة بأوجز ولا أكمل من لفظها ، ويتوجه الصيام على أنه شريعة اجتماعية إنسانية عامة ، يتقي بها الاجتماع شرور نفسه ، ولن يتهذب العالم إلا إذا كان له مع القوانين النافذة هذا القانون العام الذي اسمه الصوم ، ومعناه ( قانون البطن ) » . * * * الأمة التي تريد السيادة الخالدة ، والحرية المستمرة والعزة الدائمة والكرامة الباقية ، لا بد لها من الإيمان الراسخ الذي يقوي روحها ويهذب أخلاقها ، ويبعث فيها العزم الواثب والوعي الصاعد وحب التضحية وصلابة الصبر . وما من أمة تهاونت في إيمانها وعقيدتها وقيمتها الروحية وفرائضها وشعائرها الدينية ، إلا أسرع إليها الضعف والانحلال والاضطراب الاجتماعي والقلق النفسي ، وأصبحت مسرحا للفوضى ومرتعا للمطامع ، وبؤرة لأمراض الأفكار الوافدة . فالإسلام شخص علل البشرية تشخيصا لا يرقى إليه الاختلاف ، وأعدّ لها العلاج الذي يضمن الشفاء وموفور الصحة والسعادة ، بحيث لا تنتكس وتشقى إلا إذا تخلت عنه ، فالمسلمون ما انحدروا إلى هذه الهوة السحيقة المظلمة من التفرق والتأخر والانحطاط والتردي المزري وصاروا هدفا للقوى المعادية ، وأضاعوا أغلب أوطانهم ، وفقدوا مكانتهم الرفيعة إلا بعد ما تهاونوا في جوهر الإسلام ولبابه ، وتمسكوا بالقشور والهوامش الخرافية ، ثم أخذتهم العصبية الميتة من حيث يشعرون أو لا يشعرون ، وغرتهم مظاهر المجاملات الدولية وتعاموا عما كانت تكيد لهم في الخفاء . إنه الإسلام الذي جمع خير الإنسانية وحقق أعظم نهضة عالمية ، وبعث أصدق وأسمى الحرية ، وصان الكرامة العقلية والفكرية ، وأوجد روحا تقارع الذل والعبودية .
هامش
( 1 ) ويشير إلى هذا التأويل قول النبي ( ص ) : « إنما الصوم جنّة » والجنة الوقاية يتقي بها الإنسان والمراد أن يعتقد الصائم أنه قد صام ليتقي شر حيوانيته وحواسه .