تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
حيوانيته ، ويبقيه مصرا على الامتناع ، مهيئا له بعزيمته ، صابرا عليه بأخلاق الصبر ، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول ، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة . وإدراك هذه القوة من الإرادة العملية منزلة اجتماعية سامية ، هي في الإنسانية فوق منزلة الذكاء والعلم ، ففي هذين تعرض الفكرة مارة مرورها ، ولكنها في الإرادة تعرض لتستقر وتتحقق ، فانظر في أي قانون من القوانين ، وفي أية أمة من الأمم ، تجد ثلاثين يوما من كل سنة قد فرضت فرضا لتربية إرادة الشعب ، ومزاولته فكرة نفسية واحدة بخصائصها وملابساتها ، حتى تستقر وترسخ وتعود جزءا من عمل الإنسان ، لا خيالا يمر برأسه مرا . أليست هذه هي إتاحة الفرصة العملية التي جعلوها أساسا في تكوين الإرادة ؟ وهل تبلغ الإرادة فيما تبلغ أعلى من منزلتها حين تجعل شهوات المرء مذعنة لفكرة ، منقادة للوازع النفسي فيه ، مصرّفة بالحس الديني المسيطر على النفس ومشاعرها ، أما واللّه لو عم هذا الصوم الإسلامي أهل الأرض جميعا ، لآل معناه أن يكون إجماعا من الإنسانية كلها على إعلان الثورة شهرا كاملا في السنة لتطهير العالم من رذائله وفساده ، ومحق الأثرة والبخل فيه ، وطرح المسألة النفسية ليتدارسها أهل الأرض دراسة عملية مدة هذا الشهر بطوله فيهبط كل رجل وكل امرأة إلى أعماق نفسه ومكامنها ، ليختبر في مصنع فكره معنى الحاجة ومعنى الفقر ، وليفهم في طبيعة جسمه - لا في الكتب - معاني الصبر والثبات والإرادة ، وليبلغ من ذلك وذلك درجات الإنسانية والمواساة والإحسان ، فيحقق بهذه وتلك معاني الإخاء والحرية والمساواة . شهر هو أيام قلبية في الزمن ، متى أشرفت على الدنيا قال الزمن لأهله : هذه أيام من أنفسكم لا من أيامي ، ومن طبيعتكم لا من طبيعتي ، فيقبل العالم كله على حالة نفسية بالغة السمو ، يتعهد فيها النفس برياضتها على معالي الأمور ومكارم الأخلاق ، ويفهم الحياة على وجه آخر غير وجهها الكالح ويراها كأنما أجيعت من طعامها اليومي ، كما جاع هو ، وكأنما أفرغت من خسائسها وشهواتها كما فرغ هو ، وكأنما ألزمت معاني التقوى كما ألزمها هو . وما أجمل وأبدع أن تظهر الحياة في العالم كله - ولو يوما واحدا - حاملة في يدها السبحة . ! فكيف بها على ذلك شهرا من كل سنة ؟ . إنها واللّه طريقة عملية لرسوخ فكرة الخير والحق في النفس ، وتطهير الاجتماع من خسائس العقل المادي ، ورد هذه الطبيعة الحيوانية المحكومة في ظاهرها