من قواعد النفس أن الرحمة تنشأ عن الألم ، وهذا بعض السر الاجتماعي العظيم في الصوم ، إذ يبالغ أشد المبالغة ، ويدقق كل التدقيق ، في منع الغذاء وشبه الغذاء عن البطن وحواشيه مدة آخرها آخر الطاقة ، فهذه طريقة عملية لتربية الرحمة في النفس ، ولا طريقة غيرها إلا النكبات والكوارث ، فهما طريقتان كما ترى مبصرة وعمياء ، وخاصة وعامة ، وعلى نظام وعلى فجأة . ومتى تحققت رحمة الجائع الغني للجائع الفقير ، أصبح للكلمة الإنسانية الداخلية سلطانها النافذ ، وحكم الوازع النفسي على المادة ، فيسمع الغني في ضميره صوت الفقير يقول : « أعطني ! » ثم لا يسمع منه طلبا من الرجاء ، بل طلبا من الأمر لا مفر من تلبيته والاستجابة لمعانيه ، كما يواسي المبتلى من كان في مثل بلائه .
أية معجزة إصلاحية أعجب من هذه المعجزة الإسلامية التي تقضي أن يحذف من الإنسانية كلها تاريخ البطن ثلاثين يوما في كل سنة ، ليحل في محله تاريخ النفس ، وأنا مستيقن أن هناك نسبة رياضية هي الحكمة في جعل هذا الصوم شهرا كاملا من كل اثني عشر شهرا ، وأن هذه النسبة متحققة في أعمال النفس للجسم ، وأعمال الجسم للنفس ، كأنه الشهر الصحي الذي يفرضه الطب في كل سنة للراحة والاستجمام وتغيير المعيشة ، لإحداث الترميم العصبي في الجسم ، ولعل ذلك آت من العلاقة بين دورة الدم في الجسم الإنساني وبين القمر منذ يكون هلالا إلى أن يدخل في المحاق ، إذ تنتفخ العروق وتربو في النصف الأول من الشهر ، كأنها في ( مد ) من نور القمر ما دام هذا النور إلى زيادة ، ثم يراجعها ( الجزر ) في النصف الثاني حتى كأن للدم إضاءة وظلاما ، وإذا ثبت أن للقمر أثرا في الأمراض العصبية وفي مد الدم وجزره « 1 » فهذا من أعجب الحكمة في أن يكون الصيام شهرا قمريا دون غيره . وفي ترائي الهلال ووجوب الصوم لرؤيته معنى دقيق آخر ، وهو - مع إثبات رؤية الهلال وإعلانها - إثبات الإرادة وإعلانها ، كأنما انبعث أول الشعاع السماوي في التنبه الإنساني العام لفروض الرحمة والإنسانية والبر .
وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم ، وهو عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي ، الذي يدرب الصائم على أن يمتنع باختياره من شهواته ولذة
هامش
( 1 ) قال الجاحظ في الحيوان : ولزيادة القمر حتى يصير بدرا أثر بين في زيادة الدماء والأدمغة وجميع الرطوبات .