تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
يضطرب الاشتراكيون في أوروبا وقد عجزوا عجز من يحاول تغيير الإنسان بزيادة ونقص في أعصابه ، ولا يزال مذهبهم في الدنيا مذهب كتب ورسائل ، ولو أنهم تدبروا حكمة الصوم في الإسلام ، لرأوا هذا الشهر نظاما عمليا من أقوى وأبدع الأنظمة الاشتراكية الصحيحة ، فهذا الصوم فقر إجباري تفرضه الشريعة على الناس فرضا ليتساوى الجميع في بواطنهم ، سواء منهم من ملك المليون من الدنانير ، ومن ملك الدرهم الواحد ، ومن لم يملك شيئا ، كما يتساوى الناس جميعا في ذهاب كبريائهم الإنسانية بالصلاة التي يفرضها الإسلام على كل مسلم ، وفي ذهاب تفاوتهم الاجتماعي بالحج الذي يفرضه على من استطاع . فقر إجباري يراد به إشعار النفس الإنسانية بطريقة عملية واضحة كل الوضوح ، أن الحياة الصحيحة وراء الحياة لا فيها ، وأنها إنما تكون على أتمها حين يتساوى الناس في الشعور لا حين يختلفون ، وحين يتعاطفون بإحساس الألم الواحد لا حين يتنازعون بإحساس الأهواء المتعددة . ولو حققت رأيت الناس لا يختلفون في الإنسانية بعقولهم ، ولا بأنسابهم ولا بمراتبهم ، ولا بما ملكوا ، وإنما يختلفون ببطونهم وأحكام هذه البطون على العقل والعاطفة ، فمن البطن نكبة الإنسانية ، وهو العقل العملي على الأرض ، وإذا اختلف البطن والدماغ في ضرورة ، مد البطن مدة من قوى الهضم فلم يبق ولم يذر . ومن ههنا يتناوله الصوم بالتهذيب والتأديب والتدريب ، ويجعل الناس فيه سواء : ليس لجميعهم إلا شعور واحد وحس واحد وطبيعة واحدة ، ويحكم الأمر فيحول بين هذا البطن وبين المادة ، ويبالغ في إحكامه فيمسك حواشيه العصبية في الجسم كله يمنعها تغذيتها ولذتها حتى نفثة في دخينة . وبهذا يضع الإنسانية كلها في حالة نفسية واحدة تتلبس بها النفس في مشارق الأرض ومغاربها ، ويطلق في هذه الإنسانية كلها صوت الروح يعلم الرحمة ويدعو إليها ، فيشبع فيها بهذا الجوع فكرة معينة هي كل ما في مذهب الاشتراكية من الحق ، وهي تلك الفكرة التي يكون عنها مساواة الغني للفقير من طبيعته ، واطمئنان الفقير إلى الغني بطبيعته ، ومن هذين ( الاطمئنان والمساواة ) يكون هدوء الحياة بهدوء النفسين اللتين هما السلب والإيجاب في هذا الاجتماع الإنساني ، وإذا أنت نزعت هذه الفكرة من الاشتراكية بقي هذا المذهب كله عبثا من العبث في محاولة جعل التاريخ الإنساني تاريخا لا طبيعة له .