تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
كان الدرس السابق استطرادا عما كلفت به هذه الأمة المسلمة من صلاة ، وحج ، وما كتب عليها من تضحيات للقيام بهذه التكاليف . ونحن الآن في هذا الدرس الجديد نتابع ذلك الاستطراد . نحن الآن أمام حديث الصوم وما رسمه من فوائد مادية وروحية . . . * * * « لم أقرأ لأحد قولا شافيا في فلسفة الصوم وحكمته ، أما منفعته للجسم وأنه نوع من الطب له ، وباب من السياسة في تدبيره ، فقد فرغ الأطباء من تحقيق القول في ذلك ، وكأن أيام هذا الشهر المبارك إن هي إلا ثلاثون حبة تؤخذ في كل سنة مرة ، لتقوية المعدة وتصفية الدم وحياطة أنسجة الجسم . ولكنا الآن لسنا بصدد من هذا ، وإنما نستوحي تلك الحقيقة الإسلامية الكبرى التي شرعت هذا الشرع لسياسة الحقائق الأرضية الصغيرة . عاملة على استمرار الفكرة الإنسانية فيها ، كي لا تتبدل النفس على تغير الحوادث وتبدلها ، ولكي لا تجهل الدنيا معاني الترقيع إذا أتت على هذه الدنيا معاني التمرين . من معجزات القرآن الكريم أنه يدخر في الألفاظ المعروفة في كل زمن ، حقائق غير معروفة لكل زمن ، فيجليها لوقتها حين يضج الزمان العلمي في متاهته وحيرته ، فيشغب على التاريخ وأهله مستخفا بالأديان ، ويذهب يتتبع الحقائق ويستقصي في فنون المعرفة ، ليستخلص من بين كفر وإيمان دينا طبيعيا سائغا ، يتناول الحياة أول ما يتناول فيضبطها بأسرار العلم ، ويوجهها بالعلم إلى غايتها الصحيحة ، ويضاعف قواها بأساليبه الطبيعية ، ليحقق في إنسانية العالم هذه الشيئية المجهولة التي تتوهمها المذاهب الاجتماعية ، ولم يهتد إليها مذهب منها ولا قاربها ، فما برحت سعادة الاجتماع كالتجربة العلمية بين أيدي علمائها : لم يحققوها ولم ييأسوا منها ، وبقيت تلك المذاهب كعقارب الساعة في دورتها ، تبدأ من حيث تبدأ ، ثم لا تنتهي إلا إلى حيث تبدأ . . . * * *
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 244 | السيد حسن القبانچي