فإذا تجردت الصلاة من هذا الوعي كانت قليلة الثمرة ، بل عديمة الجدوى .
ولنصغ إلى هذا الحديث القدسي الذي يرويه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن ربه : « إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي ، ولم يستطل بها على خلقي ، ولم يبت مصرّا على معصيتي ، وقطع النهار في ذكري ، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة ، ورحم المصاب ، ذلك نوره كنور الشمس ، أكلؤه بعزتي وأستحفظه ملائكتي ، وأجعل له في الظلمة نورا ، وفي الجهالة حلما ، ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة . . . » .
أجل إن الصلاة توجه الإنسان بكليته إلى ربه ، ظاهرا وباطنا ، جسما وعقلا وروحا .
إنها ليست مجرد حركات رياضية بالجسد ، وليست مجرد توجه صوفي بالروح .
فالصلاة الإسلامية تلخص فكرة الإسلام الأساسية عن الحياة .
إن الإسلام يعترف بالإنسان جسما وعقلا وروحا ، ولا يفترض أن هنالك تعارضا بين نشاط هذه القوى المكونة في مجموعها للإنسان ، ولا يحاول أن يكبت الجسد - على طريقة المسيحية المترهبنة ، أو الهندوكية المتصوفة - لتنطلق الروح ، لأن هذا الكبت ليس ضروريا لانطلاق الروح . . . ومن ثم يجعل عبادته الكبرى . . . الصلاة . . .
مظهرا لنشاط قواه الثلاث وتوجهها إلى خالقها جميعا في ترابط واتحاد ، يجعلها قياما وقعودا وركوعا وسجودا ، تحقيقا لنشاط الجسد ، ويجعلها قراءة وتدبرا وتفكيرا في المعنى والمبنى ، تحقيقا لنشاط العقل ، ويجعلها توجها واستسلاما للّه ، تحقيقا لنشاط الروح . . . كلها في آن . . . وإقامة الصلاة على هذا النحو تذكر بفكرة الإسلام كلها عن الحياة ، واتجاهها بطاقاتها كلها للّه في كل ركعة وفي كل صلاة .
جاء في كتاب - وسائل الشيعة - « إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لما أسري به أمره ربه بخمسين صلاة فمرّ على النبيين نبي نبي لا يسألونه عن شيء حتى انتهى إلى موسى بن عمران عليه السّلام فقال : بأي شيء أمرك ربك ؟ فقال : بخمسين صلاة . فقال : اسأل ربك التخفيف ، فإن أمتك لا تطيق ذلك . فسأل ربه فحط عنه عشرا ، ثم مرّ بالنبيين نبي نبي لا يسألونه عن شيء حتى مرّ بموسى بن عمران عليه السّلام فقال : بأي شيء أمرك ربك ؟ فقال :
بأربعين صلاة . فقال : اسأل ربك التخفيف ، فإن أمتك لا تطيق ذلك .
فسأل ربه فحط عنه عشرا . ثم مرّ بالنبيين : نبي نبي لا يسألونه عن شيء حتى مرّ
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 223
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٢٢٣