لقد مر في غير هذا السفر من تآليفنا ، حديث الصلاة بأساليب ملونة ، وأنها وسيلة الاتصال باللّه والاستمداد من ذلك الرصيد ، ومظهر العبودية الخالصة التي يتجرد فيها مقام الربوبية ومقام العبودية في صور معينة . وأن القائم بها على وجهها الصحيح ، سائر على النور ، واصل إلى الغاية ، ناج من الضلال في الدنيا ومن عواقب الضلال في الآخرة ، مطمئن في رحلته على هذا الكوكب ، تتناسق خطاه مع دورة الأفلاك ونواميس الوجود ، فيحس بالأنس والراحة والتجاوب مع كل كائن في الوجود .
وأحب أن لا أحرم هذا السفر القائم على حكمة الإمام عليه السّلام من خوض في هذا البحث ، أولا لعلاقته بقول الإمام عليه السّلام وثانيا لأن الصلاة أكثر مساسا في كياننا الديني والمدني من سائر الفروض ، وأكمل صورة من صور العبادة التي تربط القلوب بخالقها وتقترب منه وتتصل به ، ومتى اتصل الإنسان بربه بعدت خطواته عن خطوات الشيطان ، واستحيا أن يغضب اللّه بعمل وهو يلقاه واستقام على الطريقة ووجد فيها هداه .
* * * إنه لا بد للفرد الفاني المحدود القوى والطاقة أن يتصل بالقوة الكبرى يستمدها العون حينما يتجاوز الجهد قواه المحدودة ، حينما تواجهه قوى الشر والطغيان والفساد ، وهي كثيرة حينما يطول به الطريق وتبعد به الشقة في عمره المحدود ، حينما يجد الشر نافشا ، والخير ضاويا ، فلولا ثقة وراء الواقع في قوة أكبر من قوى الواقع ، ليئس وضل وخانته الآمال .
هنا تبدو قيمة الصلاة ، إنها الصلاة المباشرة بين الفرد الفاني والقوة الخالدة .
إنها الموعد المختار لالتقاء القطرة المنعزلة بالنبع الذي لا يغيض ، إنها مفتاح الكنز . الذي يغني ويقني ويفيض .
ومن هنا كان الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذا حزبه أمر أكثر من الصلاة ليكثر من لقائه باللّه .
وبتتبع النصوص الواردة في الكتاب والسنة ، يمكن معرفة حكم الصلاة النفسية .
يقول الرسول الأعظم محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إذا قام أحدكم يصلي فإنه يناجي ربه » .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 220
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٢٢٠